تصاعد هجمات الطائرات المسيّرة يعيد طرح أسئلة معقدة حول مستقبل الاستقرار في إقليم كردستان ودور الفصائل غير النظامية في مرحلة ما بعد التهدئة
بغداد – المنشر الإخبارى
يبدو أن إقليم كردستان العراق يدخل مرحلة شديدة الحساسية بعد موجة جديدة من الهجمات بالطائرات المسيّرة، أعادت المشهد الأمني إلى دائرة التوتر، وفتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات حول طبيعة المرحلة التالية بعد الهدنة التي أُعلن عنها بين الولايات المتحدة وإيران، وما إذا كانت الفصائل المسلحة تعيد تموضعها على الأرض استعدادًا لمرحلة أكثر تعقيدًا.
فبعد فترة هدوء نسبي، أعلنت مؤسسة أمن إقليم كردستان عن تعرض عدة مناطق لهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مخيمات للنازحين في مناطق كويسنجق وسورداش وناحية شورش، ما أدى إلى سقوط قتيل وإصابة شخصين، بينما لم تُسجل خسائر بشرية في مواقع أخرى.
هذه التطورات لم تكن معزولة، بل جاءت امتدادًا لسلسلة هجمات سابقة طالت الإقليم خلال الأسابيع الماضية، ما يعكس أن الهدوء الذي أعقب وقف إطلاق النار لم يتحول إلى استقرار فعلي، بل إلى مرحلة انتقالية هشّة.
عودة نمط الهجمات
تشير المعطيات الميدانية إلى أن نمط الهجمات في كردستان أصبح أكثر تكرارًا وتعقيدًا، مع استخدام الطائرات المسيّرة الانتحارية التي تستهدف مواقع متفرقة، بعضها مدني وبعضها مرتبط بالبنية التحتية الحيوية.
وبحسب تقارير أمنية محلية، فإن الإقليم تعرض خلال الفترة الماضية لمئات الهجمات، بعضها وصل إلى نحو 600 عملية استهدفت مدينة أربيل وحدها، في مؤشر على اتساع نطاق الاستهداف وتنوع أهدافه بين عسكرية واقتصادية ومدنية.
ويقول مراقبون إن هذا النمط يعكس تحولًا في طبيعة الصراع داخل العراق، حيث لم تعد المواجهة تقليدية بين أطراف واضحة، بل أصبحت تعتمد على أدوات غير مباشرة، أبرزها الطائرات المسيّرة والهجمات السريعة منخفضة التكلفة.
الفصائل المسلحة في قلب المشهد
يرى باحثون في الشأن الأمني أن الفصائل المسلحة غير النظامية باتت تلعب دورًا محوريًا في هذا التصعيد، خصوصًا تلك التي يُعتقد أنها تنشط خارج سيطرة الدولة العراقية، وتتمتع بعلاقات نفوذ إقليمية معقدة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث في الشأن الكردي سامان شالي إن “القوات الخارجة عن القانون داخل العراق تمثل التهديد الأخطر على استقرار الإقليم، لأنها تتحرك خارج إطار الدولة وتنفذ عمليات متكررة دون أي ضوابط سياسية أو قانونية”.
ويضيف في تصريح أخر أن هذه الجماعات لم تعد تكتفي باستهداف مواقع مرتبطة بالوجود الأجنبي، بل توسعت عملياتها لتشمل مناطق مدنية وبنى تحتية، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني.
ما بعد الهدنة.. فراغ أم إعادة ترتيب؟
منذ إعلان وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، كان يُعتقد أن المنطقة ستشهد تهدئة تدريجية، إلا أن التطورات الأخيرة في كردستان تشير إلى أن بعض الفاعلين على الأرض قد استغلوا هذه المرحلة لإعادة التموضع.
ويعتقد محللون أن الفصائل المسلحة تستخدم فترات الهدوء النسبي لإعادة تنظيم قدراتها، وإعادة توزيع نفوذها، وربما اختبار خطوط الاشتباك دون الدخول في مواجهة شاملة.
وفي هذا السياق، يقول الباحث السياسي عبدالله الركابي إن “تكرار الهجمات بعد الهدنة لا يمكن فصله عن فكرة إعادة التموضع، إذ يبدو أن بعض الفصائل تتعامل مع التهدئة باعتبارها فرصة لإعادة تثبيت وجودها الميداني”.
ويضيف أن هذه العمليات تحمل رسائل متعددة، بعضها موجه إلى الولايات المتحدة، وبعضها الآخر يتعلق بإعادة رسم موازين القوى داخل العراق نفسه.
كردستان كمنطقة تماس
لم يعد إقليم كردستان مجرد منطقة جغرافية مستقرة نسبيًا داخل العراق، بل تحول إلى منطقة تماس بين قوى إقليمية ودولية متشابكة، تتقاطع فيها المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية.
فالإقليم يستضيف وجودًا دوليًا، وفي الوقت نفسه يقع في نطاق نفوذ فصائل مسلحة، إضافة إلى قربه من حدود إقليمية حساسة، ما يجعله ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل غير المباشرة.
ويرى مراقبون أن هذا الوضع يجعل كردستان عرضة لأي توتر إقليمي، حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا فيه، وهو ما يفسر تكرار استهدافه خلال الفترات الماضية.
الاقتصاد تحت الضغط
لا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الجانب الأمني فقط، بل تمتد إلى الاقتصاد المحلي في الإقليم، حيث أثرت بعض العمليات على منشآت الطاقة، وتسببت في تعطيل جزئي للإنتاج في بعض الحقول.
كما انعكس ذلك على مستوى الخدمات الأساسية، خصوصًا الكهرباء، ما يضيف عبئًا إضافيًا على حكومة الإقليم في إدارة الأزمات المتزامنة.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا النمط من الاستهداف قد يؤدي إلى تآكل الثقة الاستثمارية في الإقليم، ويؤثر على خطط التنمية طويلة المدى.
أبعاد إقليمية أوسع
لا يمكن فصل ما يحدث في كردستان عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تتداخل ملفات متعددة تشمل العلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، والتوترات في الشرق الأوسط، وتوازنات القوى داخل العراق.
ويرى محللون أن الفصائل المسلحة في العراق باتت جزءًا من هذا المشهد المعقد، حيث تستخدم كأدوات ضغط غير مباشر في صراعات إقليمية أوسع.
وبالتالي، فإن الهجمات في كردستان قد لا تكون مجرد عمليات محلية، بل رسائل ضمنية مرتبطة بملفات إقليمية ودولية أكبر.
مستقبل غامض
في ظل هذه المعطيات، يبقى مستقبل الإقليم مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها قدرة الحكومة العراقية وحكومة الإقليم على ضبط الأمن الداخلي، وفاعلية التنسيق الأمني بين بغداد وأربيل.
كما يعتمد بشكل كبير على طبيعة التفاهمات بين القوى الدولية والإقليمية، خاصة بين واشنطن وطهران، والتي قد تحدد شكل المرحلة المقبلة.
وبينما لا توجد مؤشرات واضحة على تصعيد شامل، فإن استمرار الهجمات المتقطعة يعكس حالة من “اللااستقرار المزمن”، التي قد تستمر لفترة طويلة إذا لم يتم الوصول إلى ترتيبات أمنية وسياسية أكثر وضوحًا.
هل هي عودة بوجه جديد؟
السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تعود الفصائل المسلحة في كردستان بوجه جديد؟
الإجابة، وفق مراقبين، ليست بسيطة، فالمشهد لا يشير إلى عودة تقليدية، بل إلى تحول في الأساليب والأدوات، حيث أصبحت العمليات تعتمد على تقنيات حديثة مثل الطائرات المسيّرة، بدلًا من المواجهات المباشرة.
كما أن طبيعة الأهداف تشير إلى تغير في الاستراتيجية، من استهداف عسكري مباشر إلى الضغط عبر الاستنزاف الاقتصادي والنفسي.
وفي كل الأحوال، يبدو أن كردستان يقف أمام مرحلة جديدة، عنوانها الرئيسي هو “إدارة التوتر”، وليس إنهاؤه بالكامل، في انتظار ما ستكشفه التطورات الإقليمية القادمة.










