تحت غطاء الأوراق البحثية والجوائز المالية بالعملة الصعبة، وفي محاولة لـ “تغيير الجلد” التنظيمي، أعلنت ما تسمى “حركة ميدان” (الذراع الشبابي المتطور لجماعة الإخوان المسلمين) عن تدشين مؤتمرها الوطني الأول.
وبالرغم من الشعارات البراقة التي ترفعها “ميدان” حول “التغيير والحرية والكرامة”، إلا أن القراءة المتأنية لوثائقها الفكرية والسياسية، والجهات المنظمة للمؤتمر، تكشف عن مشروع أخطر يتجاوز المعارضة السياسية التقليدية إلى مربع “تفكيك الدولة” وصناعة “خلافة بوجه رقمي” تحاكي في منطلقاتها الهيكلية تنظيمات العنف العابر للحدود.
تحالف “الخارج”: كيانات موازية ومصادر تمويل مشبوهة
أثار الإعلان عن المؤتمر، المقرر انطلاقه بمشاركة باحثين محسوبين على التنظيم، موجة عارمة من الجدل، لا سيما مع رصد مكافآت مالية ضخمة بالنقد الأجنبي. هذا “البذخ” أعاد تسليط الضوء على شبكات التمويل التي تديرها الجماعة من الخارج، خاصة وأن الجهات المنظمة تمثل طيفا من الكيانات غير المرخصة التي تعمل من عواصم إقليمية ودولية، ومن أبرزها:
“حركة ميدان”: بقيادة الإخواني رضا فهمي، والتي تعد الواجهة الأحدث لتمرير الأفكار القطبية المتطرفة لجيل الشباب.
“المجلس الثوري”: برئاسة مها عزام، وهو الكيان الذي تأسس في 2014 ليكون منصة دعائية دولية ضد الدولة المصرية.
“تكنوقراط مصر”: الذي يديره محمود وهبة من الولايات المتحدة، ويحاول إعفاء المشروع الإخواني من صبغته الدينية وإلباسه ثوبا فنيا زائفا.
“حزب أمل مصر” و”مركز العلاقات المصرية الأمريكية”: وهي منصات تفتقر لأي قواعد شعبية على الأرض، وتعمل كأدوات ضغط إعلامي وحقوقي.
من العنف المسلح إلى “الوثيقة الفكرية”: الالتفاف حول الدولة
يرى مراقبون أن “حركة ميدان” ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج أفكار “سيد قطب” في قالب عصري، فبالنظر إلى تاريخ قيادات مرتبطة بهذا المسار، مثل يحيى موسى، نجد تنقلا مريبا بين جبهات الصراع الداخلي (محمود عزت ومحمد كمال)، وقد توازى هذا المسار مع ظهور كيانات العنف مثل “حسم” و”لواء الثورة”.
اليوم، وبعد فشل المواجهة المسلحة المباشرة، تطرح “ميدان” ما تصفه بـ “الرؤية العلمية”، وهي في الحقيقة “وثيقة خراب” تهدف إلى إحداث صراع صفري مع الدولة. وتعتمد هذه الرؤية على مرتكزات تقوض مفهوم المواطنة والدولة الحديثة:
- تفكيك المؤسسات السيادية
تتبنى الوثيقة السياسية للحركة خطابا عدائيا صريحا ضد “الدولة الوطنية”، وتعتبرها أداة استعمارية، وهو ما يشكل انهاء الدول وإلغاء الحدود والهوية الوطنية والتاريخية للمجتمع، بما يتركه في عالم واسع من التغيبب عن دوره وهويته ومكانته الحضارية، وهي صلب أفكار سيد قطب وتنظيم داعش الإرهابي والتي تري في الدولة الوطنية والحضارية الحاجز الأبرز في قيام مشروع الإخوان. وتدعو صراحة إلى تقليص دور القضاء واستبداله بـ “آليات شرعية وعرفية”، وهو ما يفتح الباب لظهور “محاكم موازية” تذكرنا بنماذج المناطق التي سيطرت عليها التنظيمات المتطرفة في سوريا والعراق وأفغانستان والصومال واليمن وغيرها من الدول التي استباحت تحت شعار “الدولة الإسلامية”. - ضرب العقيدة العسكرية وإلغاء التجنيد
من أخطر ما طرحته “ميدان” هو الدعوة لإلغاء التجنيد الإجباري وتفكيك الهيكل الحالي للقوات المسلحة.
ويفسر الخبراء الأمنيون هذا الطرح بأنه محاولة لإضعاف العقبة الكبرى التي حالت دون تمكين مشروع الجماعة في 2013، وسعيا لإيجاد فراغ أمني يمكن لـ “الميليشيات التنظيمية” ملؤه لاحقا، وهو ما يعني الإجهاز على الدولة الوطنية وتمزيق الهوية الحضارية وعودة إلى شكل “إمارات” متنحارة داخل الدولة الواحدة.
- فخ “التسليح الشخصي” المنظم
روجت الحركة لأطروحة “حق التسليح الشخصي”، مستشهدة بدراسات أمريكية وسياقات دولية مختلفة، إلا أن استدعاء هذا المفهوم في دولة تمر بتحديات أمنية معقدة مثل مصر، لا يفهم منه إلا الرغبة في “شرعنة الميليشيات”. فالهدف ليس حماية الأفراد، بل خلق “دوائر ثورية مسلحة” قادرة على إشعال حرب أهلية منظمة تحت ستار الدفاع عن النفس.
خلافة رقمية.. بآليات “الدفع الجماهيري”
تعترف وثائق “ميدان” بمرارة بفشل “الدفع العشوائي” في أحداث 2011 و2013، ولذلك تسعى الآن عبر مؤتمرها وبحوثها إلى بناء استراتيجية “الدفع الجماهيري التنظيمي”.
وهي محاولة لتحويل الفوضى إلى عمل “احترافي” يدار من خلال الفضاء الرقمي والمنصات التكنولوجية، وهو ما يمكن وصفه بـ “داعشية ناعمة” أو “خلافة رقمية” تسيطر على العقول والولاءات قبل السيطرة على الأرض.
الواقع المرير للمشروع
بينما يحاول أنصار “ميدان” تصويرها كحركة تحررية، يرى الواقع الإقليمي أن تجربة تفكيك الجيوش والقضاء والأمن في دول الجوار (ليبيا وسوريا) لم تسفر إلا عن تحويل الدول إلى “أقاليم شبه مستقلة” يحكمها أمراء الحرب.
إن مؤتمر “ميدان” الوطني، بما يحمله من دعوات لتسليح المجتمع وتفكيك الجيش واستبدال القضاء، يثبت أن الجماعة لا تزال حبيسة “القطبية” الصارمة، وأنها لا تهدف للمشاركة السياسية بل للإطاحة الكاملة بكيان الدولة، مستخدمة في ذلك واجهات “شبابية” و”تكنوقراطية” لتضليل الرأي العام العالمي والمحلي.
وفي ظل تحديات اقتصادية وإقليمية جسيمة تواجه 110 مليون مصري، تظل هذه “الرؤى” مجرد أحلام فردية لقيادات تعيش في رغد العواصم الغربية، بعيدا عن واقع الأرض الذي يرفض تجارب “الدولة الفاشلة”.
خلاصة ما يطرحه المراقبون هي أن “ميدان” لا تمثل خروجا حقيقيا عن عباءة الإخوان بقدر ما تمثل محاولة لـ”تغيير الجلد” وإعادة التموضع في المشهد الرقمي والفكري، مع الإبقاء على الثوابت الجوهرية للمشروع الإخواني. وما يسمى بالمؤتمر الوطني لا يعدو في نظر هؤلاء كونه تجميعا لكيانات غير مرخصة تعمل من المهجر، تحت عناوين براقة وبأجندة تتضمن ما يصفونه بـ”وثيقة الخراب”، في مسعى لصناعة شرعية مفقودة وترويج أجندة تفكيكية لمؤسسات الدولة المصرية عبر ممرات أكاديمية وبحثية.










