لندن – المنشر الإخباري
في وقت تتسارع فيه وتيرة التحولات الأمنية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تتكشف ملامح مرحلة جديدة من التعاون الدفاعي بين دول المنطقة، تتجاوز الصيغة التقليدية للتحالفات العسكرية، لتدخل في نطاق أكثر تعقيدًا يرتبط بتبادل الخبرات الاستخباراتية، والتشغيل المشترك لمنظومات الدفاع الجوي، وتنسيق القدرات الفنية في مواجهة تهديدات باتت أكثر تطورًا، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة.
وبحسب ما أورده موقع Africa Intelligence المتخصص في الشؤون الدفاعية والاستخباراتية، فإن الفترة الأخيرة شهدت توسعًا ملحوظًا في التعاون بين دول الخليج من جهة، وكل من مصر والمغرب من جهة أخرى، في إطار جهود تهدف إلى تعزيز منظومات الدفاع الجوي ورفع كفاءة الاستجابة للتهديدات الجوية المتسارعة.
بيئة إقليمية مضطربة تعيد تشكيل أولويات الدفاع
تشير المعطيات الواردة في التقرير إلى أن هذا التعاون لم ينشأ في فراغ، بل جاء نتيجة بيئة إقليمية شديدة التوتر، شهدت تصعيدًا عسكريًا متكررًا منذ أواخر فبراير، تخلله استخدام مكثف للطائرات المسيّرة والهجمات الصاروخية بعيدة المدى.
هذا النمط الجديد من التهديدات فرض تحديات غير مسبوقة على أنظمة الدفاع الجوي التقليدية، التي صُممت في الأساس للتعامل مع الطائرات الحربية والصواريخ التقليدية، وليس مع هجمات منخفضة التكلفة، عالية الدقة، وسريعة التكرار.
وبناءً على ذلك، بدأت دول الخليج في إعادة تقييم بنيتها الدفاعية، ليس فقط من حيث المعدات، ولكن أيضًا من حيث شبكات الدعم والتشغيل والتكامل الإقليمي.
التحول نحو شراكات دفاعية متعددة الأطراف
في هذا السياق، برزت مصر والمغرب كطرفين رئيسيين في معادلة أمن الخليج الجديدة، حيث لم يعد التعاون مقتصرًا على صفقات تسليح، بل امتد إلى مجالات أكثر حساسية مثل التشغيل الميداني، والدعم الاستخباراتي، والتدريب الفني المتخصص.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف الإقليمية بأن مواجهة التهديدات الحديثة تتطلب ما هو أكثر من امتلاك السلاح، بل تتطلب منظومة تشغيل متكاملة تعتمد على تبادل الخبرات والبيانات في الوقت الفعلي.
الدور المغربي بين الاستخبارات والدعم التشغيلي
- البعد الاستخباراتي
بحسب Africa Intelligence، لعب المغرب دورًا مهمًا في الجانب الاستخباراتي من التعاون، من خلال المديرية العامة للأمن الوطني، التي قدمت دعمًا يتعلق برصد التهديدات الجوية وتحليل أنماط الطائرات المسيّرة.
هذا النوع من الدعم يعتمد على تحليل البيانات الميدانية، وتحديد مصادر التهديد، ورصد التحركات غير التقليدية للطائرات منخفضة البصمة، وهو ما أصبح عنصرًا حاسمًا في منظومات الدفاع الحديثة.
- البعد التشغيلي
إلى جانب ذلك، شاركت عناصر من القوات المسلحة الملكية المغربية في مهام تشغيلية داخل الإمارات، حيث ساهمت في تشغيل بعض منظومات الدفاع الجوي.
هذا النوع من المشاركة يعكس مستوى متقدمًا من التعاون، يتجاوز الإطار الاستشاري إلى العمل المباشر داخل غرف العمليات الدفاعية.
البنية الدفاعية الإماراتية ودور التعاون التقني
تعتمد الإمارات على منظومتين رئيسيتين في الدفاع الجوي:
- Patriot PAC-3
- THAAD
وهما من أكثر الأنظمة تطورًا عالميًا، ويُستخدمان لاعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات عالية السرعة.
ويشير التقرير إلى أن وجود المغرب في هذا السياق لم يكن مجرد دعم بشري، بل امتد إلى التنسيق الفني، خاصة أن المغرب يمتلك خبرة تشغيلية في أنظمة باتريوت، ما سهّل عمليات التفاهم التقني والتشغيلي بين الطرفين.
جسر جوي لوجستي بين أبوظبي والرباط
خلال فترات التصعيد، كثّفت الإمارات رحلات الشحن العسكري إلى المغرب، في إطار دعم عمليات نقل الأفراد والمعدات المرتبطة بالمهام الدفاعية والاستخباراتية.
وتشير البيانات إلى أن هذا الجسر الجوي لم يكن ظرفيًا، بل جزءًا من نمط تعاون ممتد، مدعوم باتفاقيات عسكرية تعود إلى عام 2006 بين البلدين.
كما وفرت الإمارات للمغرب إمكانية استخدام طائرات النقل العسكري الثقيلة من طراز C-17 Globemaster III، ما يعكس مستوى متقدمًا من التنسيق اللوجستي.
مصر كركيزة في منظومة الدفاع الإقليمي
في المقابل، تلعب مصر دورًا محوريًا في هذا المشهد، باعتبارها تمتلك واحدة من أكثر منظومات الدفاع الجوي تنوعًا في المنطقة، تجمع بين التكنولوجيا الأمريكية والروسية والأوروبية.
وقد شهدت السنوات الأخيرة تطورًا في التعاون الدفاعي بين القاهرة وكل من السعودية والكويت والإمارات، شمل مجالات التدريب ونقل الخبرات وتحديث الأنظمة.
منظومة الدفاع الجوي المصرية – بنية متعددة الطبقات
- نظام Skyguard Amoun
يُعد هذا النظام أحد أهم مكونات الدفاع الجوي المصري، وقد خضع لعدة مراحل تطوير جعلته قادرًا على التعامل مع عدة أهداف في وقت واحد.
يتميز النظام بقدرته على إطلاق ما يصل إلى ستة صواريخ في آن واحد، ما يجعله مناسبًا للتعامل مع الهجمات الكثيفة.
- الذخائر والصواريخ المستخدمة
يعتمد النظام على صواريخ AIM-7M الأمريكية، التي تُستخدم لاعتراض الأهداف الجوية متوسطة المدى، وتُعرف بدقتها في البيئات القتالية المعقدة.
- التطوير الإلكتروني
شهد النظام تحديثًا كبيرًا تمثل في استبدال الأنظمة التناظرية القديمة بأنظمة رقمية متطورة، ما عزز قدرته على العمل في بيئات تشويش إلكتروني كثيف.
الدفاع المدفعي القصير المدى
تعتمد مصر أيضًا على أنظمة مدفعية متطورة، أبرزها مدافع Oerlikon الألمانية المزودة بذخيرة AHEAD.
هذا النوع من الذخيرة يعمل عبر إطلاق سحابة من المقذوفات قبل الهدف مباشرة، ما يزيد من احتمالية تدمير الطائرات المسيّرة الصغيرة.
تحديثات شاملة لمواجهة أنماط الحروب الحديثة
تشير البيانات إلى أن المنظومة الدفاعية المصرية شهدت خلال السنوات الأخيرة سلسلة من عمليات التحديث والتطوير، جاءت في إطار تعاون تقني مع شركاء دوليين، من بينهم الولايات المتحدة، بهدف رفع كفاءة الأداء في مواجهة التهديدات الجوية المتغيرة.
وتتركز هذه التحديثات على عدة محاور رئيسية ترتبط مباشرة بطبيعة الحروب الحديثة، التي لم تعد تعتمد على المواجهات التقليدية، بل على الهجمات الدقيقة، والطائرات المسيّرة منخفضة البصمة، والصواريخ الجوالة، إضافة إلى محاولات التشويش الإلكتروني على أنظمة الرادار والدفاع.
تحسين قدرات الرصد
شملت عمليات التطوير رفع كفاءة أنظمة الرادار وأجهزة الاستشعار، بما يسمح برصد الأهداف الجوية على مسافات أبعد وبزمن استجابة أسرع. ويُعد هذا العنصر أحد أهم مكونات منظومة الدفاع الحديثة، إذ يعتمد عليه بشكل مباشر في كشف التهديدات قبل وصولها إلى نطاق الخطورة.
تطوير أنظمة التتبع
كما تضمنت التحديثات تحسين دقة أنظمة تتبع الأهداف، بحيث تصبح قادرة على متابعة الأجسام السريعة أو الصغيرة الحجم، بما في ذلك الطائرات المسيّرة التي غالبًا ما تعتمد على مسارات طيران منخفضة وغير منتظمة لتفادي الرصد.
تعزيز مقاومة التشويش الإلكتروني
في ظل تصاعد استخدام تقنيات الحرب الإلكترونية، ركزت التحديثات على رفع قدرة الأنظمة على مقاومة التشويش والتداخلات الإلكترونية. ويشمل ذلك تطوير البرمجيات الداخلية، وتحديث وحدات المعالجة، بما يضمن استمرار عمل المنظومة حتى في بيئات تتعرض لمحاولات تعطيل متقدمة.
توسيع نطاق الاعتراض الجوي
امتدت التحديثات أيضًا إلى زيادة مدى وكفاءة أنظمة الاعتراض، سواء عبر الصواريخ أو المدفعية المضادة للطائرات، بما يسمح بتوسيع نطاق الحماية الجوية وتعدد طبقات الدفاع، بحيث يتم التعامل مع التهديد في أكثر من مرحلة قبل وصوله إلى أهدافه المحتملة.
وتشير هذه التطويرات مجتمعة إلى انتقال المنظومة إلى مستوى أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع طبيعة التهديدات الحديثة، التي تتسم بالتنوع والسرعة والتطور المستمر.
نحو نموذج دفاعي إقليمي أكثر تكاملًا
في السياق الإقليمي الأوسع، تُظهر المعطيات أن هناك توجهًا متزايدًا نحو بناء نموذج دفاعي جديد يقوم على التعاون والتكامل بين الدول، بدلًا من الاعتماد على القدرات الوطنية المنفردة فقط.
هذا النموذج لا يقتصر على تبادل الأسلحة أو المعدات، بل يمتد إلى إنشاء شبكات تعاون تشمل المعلومات الاستخباراتية، والتدريب العسكري، والدعم اللوجستي، والتنسيق العملياتي.
تبادل المعلومات الاستخباراتية
يُعد تبادل المعلومات الاستخباراتية أحد أبرز ركائز هذا النموذج، حيث يسمح بزيادة سرعة الاستجابة للتهديدات، وتحسين دقة التقييم الميداني، وتقليل هامش المفاجأة في أي هجوم محتمل.
التشغيل المشترك للأنظمة
كما يشير التطور الحالي إلى اتجاه نحو تشغيل بعض الأنظمة الدفاعية بشكل مشترك بين أطراف إقليمية، سواء من خلال التدريب أو الدعم الفني أو المشاركة في غرف العمليات، بما يعزز من كفاءة الأداء ويقلل من الفجوات التقنية.
التدريب المتبادل
يمثل التدريب المشترك عنصرًا أساسيًا في هذا الإطار، حيث يتيح توحيد المفاهيم التشغيلية ورفع مستوى الجاهزية، إلى جانب تبادل الخبرات بين الأطقم الفنية والعسكرية في بيئات تشغيل مختلفة.
الدعم اللوجستي العابر للحدود
أما على المستوى اللوجستي، فيتضح وجود تنسيق متزايد في عمليات نقل المعدات والأفراد والدعم الفني بين الدول، بما يعكس درجة أعلى من التكامل في إدارة العمليات الدفاعية.
تحول في طبيعة التهديدات واستجابة إقليمية جديدة
تعكس هذه التطورات إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف الإقليمية بأن طبيعة التهديدات الأمنية لم تعد محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل أصبحت عابرة للحدود، وسريعة التغير، وتعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا المتقدمة.
كما أن التهديدات الحديثة لم تعد تقليدية في شكلها أو أدواتها، بل أصبحت تعتمد على عناصر مثل الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، ما يفرض ضرورة تطوير أنظمة دفاع أكثر مرونة وتكاملًا.
وفي ضوء ذلك، يبدو أن المنطقة تتجه تدريجيًا نحو إعادة تشكيل منظومة الأمن الإقليمي، بحيث تصبح أكثر اعتمادًا على التنسيق المشترك والشبكات الدفاعية المتداخلة، بدلًا من النماذج المنفصلة التي كانت سائدة في السابق.
وفي ضوء هذه التطورات، يمكن القول إن التعاون الدفاعي بين مصر والمغرب ودول الخليج لم يعد مجرد تعاون ثنائي أو ظرفي، بل تحول إلى شبكة إقليمية معقدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والاستخباراتية والتقنية.
ومع استمرار تصاعد التهديدات الجوية غير التقليدية، يبدو أن هذا النمط من التعاون مرشح لمزيد من التوسع خلال الفترة المقبلة، بما يعيد تشكيل خريطة الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.










