في ظل المشهد الجيوسياسي المتفجر في مضيق هرمز، تعيش أسواق الطاقة العالمية حالة من الاستنفار غير المسبوق، فقد سجلت أسعار النفط قفزات حادة اليوم الجمعة، مدفوعة بمخاوف جدية من تصعيد عسكري وشيك في أعقاب تحركات بحرية إيرانية هجومية، وتوقعات دولية قاتمة تشير إلى استمرار “خنق” إمدادات الغاز الطبيعي المسال لسنوات قادمة.
هرمز تحت القبضة الإيرانية والأسعار تشتعل
ذكرت وكالة “رويترز” أن أسعار النفط واصلت صعودها بعد أن نشرت طهران لقطات مصورة توثق إنزال قوات خاصة من الحرس الثوري على متن سفن شحن في مضيق هرمز.
هذه الخطوة، وما تبعها من تعثر في جهود إعادة فتح الممر المائي الاستراتيجي، أدت إلى شلل شبه كامل في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز الذي كان يؤمن خمس احتياجات العالم من النفط قبل اندلاع الحرب.
وعلى صعيد الأرقام، ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 1.93 دولار، أي ما يعادل 1.8%، لتستقر عند 107 دولارات للبرميل.
كما صعد خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي بنحو 76 سنتا ليصل إلى 96.61 دولارا.
وبنهاية تعاملات هذا الأسبوع، يكون خام برنت قد حقق مكاسب مذهلة بلغت 18%، بينما ارتفع الخام الأمريكي بنسبة 15%، وهي ثاني أكبر زيادة أسبوعية مسجلة منذ اندلاع النزاع الأمريكي الإيراني.
وكالة الطاقة الدولية: عجز الغاز مستمر حتى 2027
وفي تقرير صادم نقلته وكالة “فرانس برس”، حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن أسواق الغاز الطبيعي المسال (LNG) ستظل تعاني من “ضيق شديد” في الإمدادات حتى نهاية عام 2027 على أقل تقدير.
وأوضحت الوكالة، التي تتخذ من باريس مقرا لها، أن الحرب الأمريكية الإيرانية تسببت في أضرار جسيمة للبنية التحتية للطاقة، مما أدى إلى فقدان ما يقرب من 20% من إمدادات الغاز العالمية المعتادة.
وتوقعت الوكالة أن يؤدي التأثير المشترك لهذه الخسائر وبطء نمو القدرة الإنتاجية إلى فجوة تراكمية تبلغ حوالي 120 مليار متر مكعب بين عامي 2026 و2030. وأشار التقرير إلى أن الاستثمارات الجديدة لزيادة الإنتاج ستواجه تأخيرات حتمية نتيجة المخاطر الأمنية، مما يعني أن الأسواق لن تشهد أي انفراجة حقيقية قبل ثلاث سنوات من الآن، رغم محاولات إطلاق مشاريع تسييل جديدة في مناطق بعيدة عن الصراع.
تحركات آسيوية لمواجهة الأزمة: كوريا الجنوبية نموذجا
أمام هذا التهديد الوجودي لأمن الطاقة، بدأت القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا اتخاذ إجراءات وقائية عاجلة.
وأعلنت الحكومة الكورية الجنوبية، بحسب ما أفادت قناة “الجزيرة”، أنها نجحت في تأمين 74.62 مليون برميل من النفط الخام للشهر المقبل.
ويمثل هذا المخزون حوالي 87% من متوسط وارداتها الشهرية في العام الماضي، وهي خطوة تهدف إلى حماية الاقتصاد الكوري من الصدمات السعرية المفاجئة.
وفي تحول استراتيجي لافت، كشف كانغ هون سيك، رئيس أركان الرئيس الكوري لي جاي ميونغ، أن سيول بدأت فعليا في تقليص ارتهانها للنفط الشرق أوسطي. فقد انخفضت نسبة الاعتماد على دول المنطقة من 69% إلى 56%، في محاولة لتنويع مصادر التوريد والابتعاد عن بؤر التوتر المباشرة التي أصبحت تهدد تدفق الشحنات عبر مضيق هرمز.
تحديات السيطرة الأمريكية في البحر
تؤكد التطورات الميدانية الأخيرة، وتحديدا استيلاء إيران على سفينتي شحن إضافيتين رغم الوجود العسكري المكثف، حجم الصعوبات التي تواجهها واشنطن في فرض سيطرتها على الممرات المائية.
ة يرى مراقبون أن “حرب الناقلات” الحالية لم تعد تقتصر على الجانب العسكري، بل تحولت إلى أداة ضغط اقتصادي هائلة تستخدمها طهران لرفع تكلفة الحرب على الغرب، حيث تترجم كل عملية استيلاء إلى دولارات إضافية في برميل النفط، مما يفاقم أزمة التضخم العالمي ويضع قادة العالم أمام خيارات صعبة بين التصعيد العسكري أو الرضوخ لمطالب التهدئة.










