ترجمة «دم القلب الذي صار لؤلؤًا» تفتح بابًا واسعًا أمام القراء الصينيين لفهم تجربة سياسية وروحية مثيرة للاهتمام
بكين – المنشر الإخبارى
تشهد الأوساط الثقافية في الصين موجة اهتمام متزايدة بمذكرات قائد الثورة الإسلامية الراحل علي خامنئي، بالتزامن مع طرح النسخة الرقمية من الكتاب، في خطوة أعادت إحياء النقاش حول سيرته وتجربته السياسية والفكرية. ولم يقتصر هذا الاهتمام على النخب الأكاديمية، بل امتد إلى جمهور أوسع من القراء الذين وجدوا في هذا العمل نافذة لفهم مرحلة تاريخية معقدة من تاريخ إيران، بما تحمله من تحولات وصراعات شكلت ملامح المنطقة.
الكتاب، الذي يحمل عنوان «خون دل كه لاله شد» (دم القلب الذي صار لؤلؤًا)، يقدم سردًا تفصيليًا لتجربة القائد خلال سنوات السجن والمنفى، في فترة اتسمت بالاضطراب السياسي والصدام مع نظام بهلوي المدعوم غربيًا. ويستعرض العمل، بأسلوب شخصي، تفاصيل المعاناة اليومية، والتحديات الفكرية، والتحولات النفسية التي رافقت تلك المرحلة، وصولًا إلى لحظة التحول الكبرى التي تمثلت في اندلاع الثورة الإسلامية. هذا الطابع الإنساني في السرد ساهم في جذب القراء، الذين وجدوا أنفسهم أمام قصة تتجاوز الإطار السياسي إلى تجربة إنسانية عميقة.
اهتمام متجدد بعد رحيله
وبحسب تقرير صادر عن هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية من بكين، فإن الاهتمام بالكتاب لم يكن ثابتًا منذ صدوره الأول، بل شهد قفزة ملحوظة عقب وفاة القائد، حيث أعاد هذا الحدث تسليط الضوء على إرثه الفكري والسياسي. وقد ساهمت هذه اللحظة في دفع الكثير من القراء الصينيين إلى البحث عن مصادر لفهم شخصيته وتأثيره، خاصة في ظل تصاعد النقاشات الدولية حول دور إيران في المشهد الجيوسياسي.
النسخة المطبوعة، التي طُرحت قبل عامين، لم تحقق في البداية هذا الزخم، لكن إطلاق النسخة الرقمية جاء في توقيت مناسب، مستفيدًا من التحول الكبير نحو القراءة الإلكترونية في الصين. هذا التحول أتاح وصولًا أسهل إلى الكتاب، وساهم في انتشاره عبر منصات متعددة، ما عزز حضوره في الفضاء الثقافي الرقمي.
انتشار رقمي وتفاعل واسع
لم يتوقف الاهتمام عند حدود قراءة الكتاب كاملًا، بل امتد إلى تفاعل واسع مع مقتطفات ومحتوى مرتبط به، نُشر عبر المنصات الرقمية التابعة للبعثة الثقافية الإيرانية في الصين. هذه المواد، التي شملت مذكرات شخصية ومقاطع فيديو توثق جوانب من حياة القائد، خاصة نمط حياته البسيط، لاقت صدى كبيرًا لدى الجمهور.
هذا التفاعل يعكس تحولًا في طريقة تلقي المحتوى الثقافي، حيث لم يعد القارئ يعتمد فقط على النصوص الطويلة، بل أصبح يتفاعل مع محتوى متعدد الوسائط يتيح له فهمًا أعمق وأكثر قربًا من الشخصية موضوع الكتاب. وقد ساهم هذا الأسلوب في جذب فئات جديدة من الجمهور، من بينهم الشباب والباحثون، الذين وجدوا في هذه المواد مدخلًا أكثر مرونة لفهم التجربة.
دور أكاديمي في نقل التجربة
وتولى ترجمة الكتاب إلى الصينية البروفيسور تشي وين دنغ، أستاذ بجامعة بكين للدراسات الدولية، في خطوة تعكس دور المؤسسات الأكاديمية في تعزيز التبادل الثقافي. ويُعرف دنغ بخبرته في نقل الأدب الفارسي إلى الصينية، حيث سبق أن ترجم أعمالًا لشعراء كبار، ما منحه خلفية قوية لفهم النصوص ذات البعد الثقافي العميق.
وأوضح المترجم أن العمل على هذا الكتاب لم يكن مجرد مهمة لغوية، بل تجربة فكرية تطلبت فهمًا دقيقًا للسياق التاريخي والسياسي الذي كُتب فيه النص. وأشار إلى أن أكثر ما لفت انتباهه هو البساطة التي عُرضت بها حياة القائد، إلى جانب الرؤية الفكرية التي حملها بشأن قضايا مثل وحدة المسلمين والتقارب بين الطوائف.
قيمة فكرية تتجاوز الحدود
يرى دنغ أن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في كونه مذكرات شخصية، بل في كونه وثيقة تعكس رؤية فكرية وسياسية يمكن أن تساهم في فهم أوسع للعالم المعاصر. فالقارئ لا يطّلع فقط على أحداث تاريخية، بل يتعرف على منظومة فكرية تشكلت في سياق معقد، ما يمنحه أدوات لتحليل قضايا معاصرة.
كما أشار إلى أن عملية الترجمة كانت شاقة، نظرًا لحساسية النص وعمقه، مؤكدًا أن اختيار هذا العمل تحديدًا كان قرارًا مدروسًا، لأنه يجمع بين القيمة الأدبية والتاريخية. وأضاف أن ردود الفعل الإيجابية من القراء تعزز قناعته بأن هذا الجهد كان في محله.
آفاق أوسع للتبادل الثقافي
في ظل هذا النجاح، أعرب المترجم عن رغبته في نقل المزيد من أعمال القائد إلى اللغة الصينية، مشيرًا إلى أن الاهتمام المتزايد من قبل القراء يشكل دافعًا قويًا للاستمرار في هذا المسار. ويرى أن هذه الخطوة يمكن أن تساهم في تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافتين الإيرانية والصينية، خاصة في ظل التغيرات العالمية التي تتطلب حوارًا ثقافيًا أعمق.
خلفية نشر وتعاون ثقافي
يُذكر أن الكتاب عُرض لأول مرة خلال معرض بكين الدولي للكتاب، ضمن برنامج للتبادل الثقافي بين إيران والصين، وهو ما يعكس وجود إطار مؤسسي يدعم هذه المبادرات. وقد صدرت النسخة الصينية نتيجة تعاون بين البعثة الثقافية الإيرانية في الصين ومركز تنسيق الترجمة والنشر التابع لمنظمة الثقافة والعلاقات الإسلامية.
كما أن الكتاب في أصله ترجمة فارسية لنص عربي بعنوان «إن مع الصبر نصرًا»، الذي نُشر في بيروت، وقدم له حسن نصر الله، ما يضيف بعدًا إقليميًا للنص ويعكس تداخله مع سياقات متعددة.
في النهاية، لا يمكن النظر إلى هذا الإقبال على أنه مجرد ظاهرة ثقافية عابرة، بل هو مؤشر على تحول أعمق في اهتمام القراء الصينيين بالتجارب السياسية والفكرية خارج حدودهم. كما يعكس الدور المتزايد للترجمة والنشر الرقمي في كسر الحواجز الثقافية، وفتح المجال أمام تفاعل أكثر تنوعًا مع قضايا العالم.










