الحلف الأطلسي يدرس تغيير آلية اجتماعاته في ظل تصاعد التوترات مع روسيا وتزايد الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بالدفاع المشترك
بروكسل – المنشر الإخباري
يواجه حلف الناتو NATO مرحلة غير مسبوقة من إعادة تقييم بنيته السياسية وآليات عمله، في ظل نقاشات داخلية متصاعدة حول إمكانية التخلي عن القمم السنوية، أو على الأقل تقليص عددها، في خطوة تعكس عمق التحولات داخل الحلف الذي شكّل لعقود طويلة الركيزة الأساسية للأمن الأوروبي.
وبحسب ما كشفته مصادر دبلوماسية نقلتها وكالة “رويترز”، فإن الحلف يدرس بشكل جدي خيار إلغاء قمة عام 2028 بالكامل، أو الانتقال إلى عقد القمم كل عامين بدلًا من النظام السنوي المعتمد منذ عام 2021، في محاولة لتجنب احتكاكات سياسية متكررة، خاصة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى واجهة المشهد السياسي العالمي بسياساته المثيرة للجدل داخل الحلف.
تراجع الثقة داخل الحلف
هذه النقاشات لا يمكن فصلها عن حالة التآكل التدريجي في الثقة بين ضفتي الأطلسي. فعدد من الدول الأوروبية بات يعبر بشكل غير مسبوق عن مخاوفه من احتمال عدم التزام الولايات المتحدة بشكل تلقائي ببند الدفاع المشترك، المعروف بالمادة الخامسة، والذي ينص على أن أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على جميع الأعضاء.
هذا القلق لم يعد نظريًا، بل أصبح جزءًا من الحسابات الأمنية الفعلية، خصوصًا مع التصريحات المتكررة من ترامب التي تربط بين الحماية الأمريكية ومستوى الإنفاق الدفاعي للدول الأوروبية، وهو ما اعتُبر تحولًا جوهريًا في فلسفة التحالف منذ تأسيسه.
تصاعد التهديد الروسي
تأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأمنية من احتمال تصعيد روسي ضد أوروبا. فقد أشارت تقارير استخباراتية ألمانية إلى أن روسيا قد تكون قادرة على تنفيذ تحرك عسكري ضد دول أوروبية خلال خمس سنوات، بينما ذهب رئيس وزراء بولندا دونالد تاسك إلى حد التحذير من أن هذا السيناريو قد يصبح واقعيًا خلال أشهر فقط، في ظل ضعف التحصينات الدفاعية على الجبهة الشرقية.
كما شهدت الفترة الأخيرة تصعيدًا ملحوظًا على الحدود الشرقية للحلف، بعد أن شنت أوكرانيا عمليات بطائرات مسيّرة بعيدة المدى استهدفت منشآت نفطية روسية في مناطق حساسة. هذه العمليات أدت إلى ردود فعل روسية حادة، شملت تهديدات مباشرة بالرد العسكري، ما زاد من حالة التوتر بين موسكو والحلف.
قمم تتحول من وحدة إلى خلاف
على مدار السنوات الماضية، كانت قمم «الناتو» تمثل منصة أساسية لإظهار وحدة الموقف الغربي، خصوصًا في ما يتعلق بدعم أوكرانيا في مواجهة روسيا. إلا أن هذا الدور بدأ يتراجع تدريجيًا، مع تحول هذه القمم إلى ساحة خلافات سياسية علنية بين الدول الأعضاء.
ففي القمم الأخيرة، برزت خلافات حادة حول حجم الدعم العسكري لأوكرانيا، ومستوى الإنفاق الدفاعي المطلوب من الدول الأوروبية، حيث ضغطت الإدارة الأمريكية على الحلفاء لرفع إنفاقهم إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2032، وهو رقم اعتبرته العديد من الدول الأوروبية غير واقعي.
ترامب وإعادة تشكيل قواعد اللعبة
عودة ترامب إلى المشهد السياسي أعادت تشكيل قواعد التفاعل داخل الحلف. فمنذ توليه الرئاسة، تبنى خطابًا نقديًا حادًا تجاه أوروبا، واصفًا بعض الدول بأنها “تستفيد مجانًا” من المظلة الأمنية الأمريكية دون تحمل نصيبها العادل من التكاليف الدفاعية.
هذا الخطاب لم يبقَ في إطار التصريحات فقط، بل تُرجم إلى سياسات ومواقف عملية أثارت قلق الحلفاء، خصوصًا بعد اتخاذ قرارات عسكرية أحادية دون تنسيق مسبق مع الحلف، من بينها عمليات عسكرية ضد إيران، وما تبعها من توترات إقليمية.
أزمة مضيق هرمز والخلافات العابرة للأطلسي
زاد التوتر أكثر عندما طلب ترامب من دول «الناتو» دعم جهود إعادة فتح مضيق هرمز، في ظل تصاعد التوترات في المنطقة، إلا أن الطلب قوبل برفض أوروبي واضح، ما كشف عمق التباين في الرؤى بين واشنطن وحلفائها.
كما أثارت تصريحات ترامب بشأن إمكانية انسحاب الولايات المتحدة من الحلف، أو تقييد التزامها بالدفاع المشترك وفق شروط مالية، حالة من القلق داخل العواصم الأوروبية، التي بدأت بالفعل البحث عن بدائل استراتيجية لضمان أمنها.
نقاش حول مستقبل القمم
داخل الحلف، لا يقتصر النقاش على عدد القمم فقط، بل يمتد إلى جدوى هذا الشكل من الاجتماعات. فبعض المسؤولين يرون أن القمم السنوية تحولت إلى مناسبات سياسية وإعلامية أكثر من كونها منصات لاتخاذ قرارات استراتيجية حاسمة.
وبحسب مصادر دبلوماسية، فإن العديد من القرارات المهمة داخل «الناتو» لا تُتخذ خلال القمم نفسها، بل في اجتماعات وزراء الدفاع، أو داخل المجلس الأطلسي، ما يجعل القمم مجرد محطة لإعلان ما تم الاتفاق عليه مسبقًا.
قمة أنقرة تحت المجهر
من المنتظر أن تُعقد القمة المقبلة في العاصمة التركية أنقرة، وسط توقعات بأن تكون من أكثر القمم حساسية في تاريخ الحلف الحديث. فالمواضيع المطروحة تشمل ملفات شديدة التعقيد، من بينها الحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقة مع روسيا، ومستوى الإنفاق الدفاعي، ودور الولايات المتحدة في الأمن الأوروبي.
وتشير التقديرات إلى أن هذه القمة قد تكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه في ظل الانقسامات المتزايدة.
أوروبا تتحرك نحو استقلال دفاعي
في موازاة ذلك، بدأت أوروبا في اتخاذ خطوات عملية نحو تعزيز استقلالها الدفاعي. فقد تم تفعيل نقاشات داخل الاتحاد الأوروبي حول استخدام المادة 42/7 من معاهدة الاتحاد، التي تنص على مبدأ الدفاع المشترك بين الدول الأعضاء دون الحاجة إلى الولايات المتحدة.
هذا التوجه يُنظر إليه على أنه محاولة لتقليل الاعتماد على واشنطن، وبناء منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالية، خاصة في ظل حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الأمريكية.
من قمم الحرب الباردة إلى اليوم
تاريخيًا، لم يكن عقد القمم السنوية هو القاعدة داخل الحلف. ففي فترة الحرب الباردة، التي كانت تُعتبر ذروة التهديدات الأمنية في القرن العشرين، لم يُعقد سوى ثماني قمم خلال أربعين عامًا.
أما اليوم، فقد تم تكثيف هذه الاجتماعات بعد عام 2021، في محاولة لإظهار وحدة الصف الغربي في مواجهة روسيا، لكن هذا التوجه بدأ يفقد زخمه مع تصاعد الخلافات الداخلية.
نحو مرحلة إعادة تعريف الحلف
المناقشات الجارية اليوم داخل «الناتو» لا تتعلق فقط بإدارة الاجتماعات، بل تعكس سؤالًا أعمق يتعلق بمستقبل الحلف نفسه: هل ما زال قادرًا على العمل كمنظومة موحدة في ظل التباينات السياسية المتزايدة بين أعضائه؟
ومع استمرار التوترات بين روسيا والغرب، وتزايد الشكوك حول الالتزام الأمريكي، يبدو أن الحلف مقبل على مرحلة إعادة تعريف شاملة لدوره، وآليات عمله، وحدود وحدته الداخلية.










