ماندانا سالاري (29 عامًا) تفقد حياتها أثناء حماية طلابها في هجوم صاروخي استهدف مدرسة جنوب إيران وسط حصيلة كبيرة من الضحايا
طهران – المنشر الإخبارى
في مشهد يختلط فيه الحزن بالرمزية الإنسانية، أحيت إيران يوم المعلم هذا العام وسط قصة مأساوية لمعلمة شابة تحولت إلى رمز للتضحية بعد استشهادها أثناء تأدية عملها داخل مدرسة في مدينة ميناب جنوب البلاد.
ويأتي يوم المعلم في إيران سنويًا بالتزامن مع ذكرى استشهاد المفكر والفيلسوف الإيراني آية الله مرتضى مطهري، باعتباره مناسبة لتكريم المعلمين ودورهم في بناء المجتمع، إلا أن احتفالات هذا العام طغت عليها حادثة مأساوية أعادت تسليط الضوء على كلفة التصعيدات العسكرية على القطاع التعليمي.
تفاصيل الحادث
وفق الرواية الإيرانية، وقع الهجوم في 28 فبراير 2026، عندما تعرضت مدرسة ابتدائية تُعرف باسم “شجرة طيبة” في مدينة ميناب، وهي مدينة تقع جنوب البلاد بالقرب من الخليج، لقصف صاروخي أدى إلى دمار واسع داخل المبنى وسقوط عدد كبير من الضحايا.
وتشير التقارير إلى أن الانفجارات المتتالية تسببت في انهيار أجزاء من المدرسة، واشتعال النيران في الفصول الدراسية، ما أدى إلى حالة من الفوضى بين الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور الذين كانوا في محيط المدرسة وقت الحادث.
ماندانا سالاري.. معلمة في قلب المأساة
في قلب هذا المشهد، برز اسم المعلمة ماندانا سالاري، البالغة من العمر 29 عامًا، والتي كانت تعمل في المدرسة وتقوم بمهامها التعليمية بشكل اعتيادي قبل وقوع الهجوم.
وتصفها روايات محلية بأنها معلمة كرّست حياتها للتعليم، ولم تتعامل مع مهنتها بوصفها وظيفة تقليدية، بل كرسالة إنسانية تهدف إلى بناء جيل واعٍ ومتماسك. كانت سالاري أمًا لطفلين، أحدهما فتاة في السابعة من عمرها، والآخر طفل رضيع، إلا أنها كانت ترى في طلابها امتدادًا لعائلتها.
أسلوب تعليمي مختلف
اشتهرت ماندانا بأسلوبها غير التقليدي في التعليم، حيث كانت تعتمد على أساليب تربوية مبتكرة تهدف إلى ترسيخ القيم والمعرفة في نفوس الأطفال بطريقة تفاعلية. ففي بعض الدروس، كانت تستخدم الرموز والملابس لتقريب المفاهيم إلى أذهان الطلاب، وفي أحيان أخرى كانت تقدم الطعام داخل الصف لربط التعلم بالحواس والتجربة.
كما كانت تحرص على تعزيز الهوية الوطنية لدى الطلاب من خلال أنشطة تعليمية تربط بين التنوع الثقافي داخل إيران، حيث كانت تطلب من الأطفال ارتداء أزياء تمثل القوميات المختلفة بهدف تعزيز مفهوم الوحدة في التنوع.
لحظات ما قبل القصف
في يوم الحادث، كانت الأجواء داخل المدرسة تبدو طبيعية إلى حد كبير، حيث كان المعلمون منشغلين بإنهاء اليوم الدراسي وتسليم الطلاب إلى ذويهم. إلا أن الوضع تغير بشكل مفاجئ مع بدء القصف الذي استهدف المبنى بشكل مباشر.
وتشير الشهادات إلى أن أول انفجار أدى إلى انهيار أجزاء من الساحة الخارجية، بينما تسبب انفجار ثانٍ في تدمير فصول دراسية، قبل أن يشتعل المبنى في مشهد مأساوي انتهى بسقوط عدد كبير من الضحايا.
قرار لم يتغير في لحظة الخطر
رغم حالة الذعر الشديدة، لم تغادر ماندانا موقعها، بل بقيت داخل المدرسة وسط الدخان والركام. وتشير الروايات إلى أنها قامت باحتضان عدد من طلابها في اللحظات الأخيرة، محاولة حمايتهم من الانفجارات والدمار المحيط.
وفي تلك اللحظات الحرجة، اختارت المعلمة البقاء مع الأطفال بدلًا من النجاة بنفسها، وهو ما جعل قصتها تتحول لاحقًا إلى رمز واسع التداول في وسائل الإعلام المحلية.
حصيلة بشرية ثقيلة
وبحسب ما تم تداوله، فقد أسفر الحادث عن سقوط عدد كبير من الضحايا بين طلاب ومعلمين وأفراد الطاقم المدرسي، إضافة إلى إصابات واسعة وأضرار جسيمة في البنية التحتية التعليمية داخل المنطقة.
وتشير التقارير إلى أن عشرات الأطفال فقدوا حياتهم في الحادث، إلى جانب معلمين وأولياء أمور كانوا في محيط المدرسة لحظة القصف.
ملامح إنسانية في قلب الدمار
أكثر ما لفت الانتباه في القصة هو ما تم تداوله حول العثور على جثمان المعلمة وهي تحتضن عددًا من طلابها، في مشهد وصفته الروايات المحلية بأنه يعكس أقصى درجات التضحية الإنسانية.
كما أُشير إلى أن ابنتها الصغيرة كانت داخل المدرسة أيضًا، وقد فقدت حياتها في الحادث، ما أضفى على القصة بعدًا إنسانيًا أكثر ألمًا.
يوم المعلم يتحول إلى ذكرى حزينة
في المعتاد، يمثل يوم المعلم في إيران مناسبة للاحتفاء بدور المعلمين في بناء المجتمع، إلا أن هذا العام حمل طابعًا مختلفًا، حيث طغت قصة ماندانا سالاري على المشهد العام، وتحولت إلى رمز يتم تداوله في وسائل الإعلام ومنصات التواصل.
ويؤكد مختصون أن مثل هذه الحوادث تعكس حجم المخاطر التي قد تتعرض لها المؤسسات التعليمية في ظل النزاعات المسلحة، وتأثير ذلك على الأطفال والمعلمين على حد سواء.
دلالات أوسع
تطرح هذه الحادثة تساؤلات واسعة حول حماية المؤسسات التعليمية في مناطق التوتر، وأهمية تحييد المدارس عن أي صراعات عسكرية، باعتبارها أماكن مخصصة للتعليم وبناء المستقبل وليس ساحة للصراع.
كما تعيد النقاش حول كلفة النزاعات المسلحة على المدنيين، وخاصة الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال والمعلمين.
بين الركام والذاكرة، تبقى قصة ماندانا سالاري واحدة من أكثر القصص الإنسانية تأثيرًا في سياق يوم المعلم هذا العام في إيران. فهي ليست مجرد حادثة، بل رمز لمعنى التضحية في أقصى صورها، ومعلمة اختارت أن تبقى مع طلابها حتى اللحظة الأخيرة.
ورغم الألم، فإن اسمها بات حاضرًا في الوعي العام كإشارة إلى قيمة التعليم ودور المعلم في المجتمعات، حتى في أحلك الظروف.










