جنيف – المنشر الاخباري، وجه مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، انتقادات حادة للسلطات التونسية، مطالبا إياها بوضع حد فوري لما وصفه بـ “القمع المتزايد” الذي يستهدف منظمات المجتمع المدني، والصحفيين، والمدافعين عن حقوق الإنسان، والقوى المعارضة.
وجاءت الدعوة الأممية في أعقاب تصعيد أمني وقانوني استهدف كيانات حقوقية بارزة، مما أثار مخاوف دولية حول مستقبل الديمقراطية في البلاد.
تقويض الحقوق الدستورية
وشدد تورك، في بيان رسمي صدر اليوم الخميس، على أن “استمرار القيود المفروضة على الحيز المدني من قبل السلطات التونسية يقوض الحقوق المحمية بموجب دستور البلاد، ويتعارض مع التزامات تونس الدولية في مجال حقوق الإنسان”.
وأشار المفوض الأممي إلى أن نهج التضييق الحالي يخنق الحريات الأساسية التي كانت تونس نموذجا لها في المنطقة عقب ثورة 2011.
حملة تعليق الأنشطة: “محامون بلا حدود” في الواجهة
تأتي هذه التحذيرات بعد إعلان الفرع المحلي لمجموعة “محامون بلا حدود”، وهي منظمة حقوقية دولية مرموقة، عن تلقيها قرارا رسميا من السلطات التونسية بحظر نشاطها مؤقتا لمدة 30 يوما، دون تقديم تفاصيل واضحة حول الأسباب القانونية لهذا الإجراء.
ونددت المنظمة بالقرار، معتبرة إياه “تعديا غير مبرر على استقلالية المجتمع المدني واستهدافا للقيم التي تعمل من أجلها، مثل العدالة ودولة القانون”، مؤكدة تمسكها بالحق في الطعن القضائي.
هذا الإجراء ليس معزولا؛ إذ جاء بعد عشرة أيام فقط من تعليق عمليات “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان” (الحائزة على جائزة نوبل للسلام عام 2015) وثلاث منظمات أخرى. وتشير الإحصائيات إلى أنه بحلول خريف العام الماضي، تلقت 17 منظمة غير حكومية على الأقل قرارات مماثلة بالتعليق، شملت كيانات كبرى مثل “المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية” و”جمعية النساء الديمقراطيات”، بالإضافة إلى مكتب المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب.
الإعلام المستقل والتمويل الخارجي
ولم تقتصر الحملة على المنظمات الحقوقية، بل امتدت لتطال المنابر الإعلامية المستقلة؛ حيث تم تعليق نشاط منصتي “إنتفاضة” و”نواة”، اللتين عرفتا بدورهما النقدي.
ومنذ انفراد الرئيس قيس سعيد بالسلطة في صيف 2021، اتخذ ملف “التمويل الأجنبي” للمنظمات منحى سياسيا، حيث اتهم سعيد بعض الجمعيات بتلقي تمويلات مشبوهة واصفا إياها بأنها “تدخل سافر” في الشؤون الداخلية وذراع لأجندات خارجية.
وفي الختام، يرى مراقبون أن تونس التي كانت مهد “الربيع العربي”، تشهد تراجعا دراماتيكيا في مؤشرات الحريات، حيث تحولت قضية استقلالية المجتمع المدني إلى معركة وجودية في ظل قبضة أمنية تزداد إحكاما يوما بعد يوم.










