باحثون وخبراء آثار يعتبرون استهداف المواقع التاريخية الإيرانية تهديدًا مباشرًا لذاكرة الإنسانية وتراثها الحضاري المشترك
روما – المنشر الإخبارى
أطلق أكثر من 30 أكاديميًا وباحثًا إيطاليًا تحذيرات شديدة اللهجة بشأن ما وصفوه بـ”الاستهداف المنظم” للتراث الثقافي والتاريخي في إيران، مؤكدين أن الهجمات التي طالت مواقع أثرية وحضارية لا تمثل اعتداءً على دولة بعينها فقط، بل على الإرث الإنساني العالمي بأكمله.
وجاءت هذه التحذيرات خلال ندوة إلكترونية نظمها المكتب الثقافي للسفارة الإيرانية في ايطاليا ، بمشاركة أساتذة جامعات ومتخصصين في مجالات الآثار والعمارة والسياحة والتراث الثقافي، ناقشوا خلالها التداعيات الثقافية للحرب الأخيرة وما خلّفته من أضرار في عدد من المواقع التاريخية الإيرانية.
استهداف “مقصود” للهوية الحضارية
وقال عالم الآثار الإيطالي إنريكو سكولوني، أستاذ جامعة سالينتو، إن الهجوم على تاريخ أي أمة لا يمكن اعتباره حادثًا عابرًا أو نتيجة جانبية للحرب، بل هو “عمل متعمد ومخطط له”، يهدف إلى ضرب الجذور الثقافية والحضارية للشعوب.
وأضاف أن استهداف المعالم التاريخية لا يؤدي فقط إلى تدمير مبانٍ قديمة، بل يسعى إلى محو الذاكرة الجمعية والهوية الثقافية المرتبطة بتاريخ الشعوب.
وأشار المشاركون إلى أن المواقع المتضررة تشمل معالم بارزة مدرجة ضمن قائمة التراث العالمي التابعة لليونسكو، من بينها قصر جولستان، وقصر جهل ستون، ومسجد الجامع، إلى جانب مواقع تاريخية أخرى مثل قلعة فلك الأفلاك ومنطقة خرم آباد الأثرية.
أضرار واسعة بمواقع تراثية
وبحسب تصريحات رسمية إيرانية، فإن الحرب التي اندلعت أواخر فبراير 2026 أسفرت عن تضرر 131 موقعًا تاريخيًا وثقافيًا في 20 محافظة إيرانية، إضافة إلى أضرار لحقت بعدد من المنشآت السياحية والثقافية.
ومن أبرز المواقع التي قيل إنها تعرضت لأضرار، قصر جولستان التاريخي في طهران، والذي يعود عمره إلى أكثر من 400 عام، حيث تأثر بموجات انفجارية ناتجة عن قصف استهدف مناطق سكنية في وسط العاصمة الإيرانية.
انتقادات للصمت الدولي
وشهدت الندوة انتقادات حادة لما وصفه المشاركون بـ”العجز الدولي” عن حماية التراث الثقافي في مناطق النزاعات، رغم وجود اتفاقيات دولية وقوانين وضعتها منظمة اليونسكو منذ عقود لحماية المواقع التاريخية أثناء الحروب.
وأكد سكولوني أن القوانين الدولية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية تبدو اليوم غير قادرة على منع استهداف الحضارات التاريخية، مشيرًا إلى أن ما يحدث في إيران لا يمكن فصله عن مشاهد مشابهة شهدتها دول أخرى في المنطقة مثل سوريا ولبنان واليمن.
وأضاف أن “استهداف التراث يعني استهداف هوية الشعوب نفسها”، معتبرًا أن تجاهل هذه القضية يمثل خطرًا على مفهوم الحضارة الإنسانية المشتركة.
“التراث الإيراني ملك للبشرية”
من جهته، قال أستاذ الثقافة والعمارة بجامعة سابينزا في روما، جوليو ماريسكا، إن التراث الإيراني لا يخص الإيرانيين وحدهم، بل يمثل جزءًا من التاريخ الإنساني العالمي.
وأشار إلى أن التهديدات المتعلقة بإعادة إيران إلى “العصر الحجري” تكشف عن عقلية تتعامل مع الحضارات القديمة باعتبارها أهدافًا يمكن تدميرها، بدلًا من اعتبارها كنوزًا إنسانية يجب الحفاظ عليها.
وأكد أن العالم ما زال يفشل في إدراك أن المواقع الثقافية الموجودة في إيران تحمل القيمة الحضارية نفسها التي تحملها المواقع التاريخية في أوروبا أو أي منطقة أخرى من العالم.
“عنف معرفي” ومحو للذاكرة
أما الباحث الإيطالي فابيو كاربوني، المتخصص في دراسات السلام والسياحة، فقد وصف ما يجري بأنه يتجاوز التدمير المادي إلى ما سماه “العنف المعرفي”، أي القضاء على الذاكرة التاريخية والثقافية لشعب بأكمله.
وأوضح أن إيران تمثل نموذجًا حضاريًا غنيًا بالتنوع العرقي والثقافي والاجتماعي، وأن اختزال المجتمع الإيراني في صراعات سياسية أو عسكرية يتجاهل عمق حضارته الممتدة عبر آلاف السنين.
وأضاف أن تدمير المواقع التاريخية لا يستهدف الأحجار والمباني فقط، بل يستهدف أيضًا المعرفة والتاريخ والهوية الجماعية.
انتقادات للسياسات الغربية
ووجّه عدد من المشاركين انتقادات للسياسات الغربية، معتبرين أن هناك تناقضًا بين الخطابات الرسمية التي تتحدث عن حماية حقوق الإنسان والتراث العالمي، وبين الصمت أو التبرير الذي يصاحب استهداف المواقع الثقافية خلال الحروب.
وأكدوا أن حماية التراث الإنساني يجب أن تبقى خارج الحسابات السياسية والعسكرية، لأن فقدان أي موقع أثري أو حضاري يمثل خسارة للبشرية بأسرها.
دعوات لتحرك دولي
وفي ختام الندوة، دعا الأكاديميون والمؤرخون المؤسسات الدولية والمراكز البحثية إلى التحرك بشكل أكثر جدية لحماية المواقع التاريخية في مناطق النزاع، محذرين من أن استمرار استهداف التراث الثقافي سيؤدي إلى ضياع أجزاء لا يمكن تعويضها من ذاكرة العالم الحضارية.
وشدد المشاركون على أن حماية التراث ليست قضية سياسية تخص دولة بعينها، بل مسؤولية إنسانية عالمية تتطلب موقفًا دوليًا واضحًا وحازمًا.










