تقرير أمريكي يشير إلى قدرة موسكو على التكيف مع العقوبات واستمرار تماسك النظام السياسي
موسكو- المنشر الإخبارى
كشفت مجلة “أمريكان كونسيرفيتيف” في تقرير تحليلي حديث أن الصورة داخل روسيا تختلف بشكل واضح عن السردية السائدة في بعض وسائل الإعلام الغربية، والتي تتوقع انهيارًا قريبًا للدولة الروسية أو تراجعًا حادًا في نفوذ الرئيس فلاديمير بوتين.
وبحسب التقرير، فإن المعطيات على الأرض لا تشير إلى وجود مؤشرات فعلية على قرب انهيار النظام السياسي في موسكو، رغم استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية الناتجة عن الحرب في أوكرانيا والعقوبات الغربية الواسعة المفروضة على روسيا منذ سنوات.
وتوضح المجلة أن روسيا أظهرت قدرة ملحوظة على التكيف مع هذه الضغوط، سواء عبر إعادة توجيه تجارتها الخارجية نحو أسواق بديلة، أو من خلال تعزيز دور الدولة في إدارة الاقتصاد، بما سمح لها بتجاوز آثار العقوبات دون حدوث انهيار شامل.
استقرار نسبي رغم التحديات الاقتصادية
يشير التقرير إلى أن الاقتصاد الروسي يواجه بالفعل تحديات تتعلق بتباطؤ النمو وإغلاق بعض الشركات الصغيرة وارتفاع القيود على بعض القطاعات، إلا أن هذه التحديات لم تتحول إلى أزمة اقتصادية شاملة أو موجة انهيار واسعة.
كما لفت إلى أن بعض الاضطرابات المرتبطة بالهجمات بالطائرات المسيّرة داخل العمق الروسي، إلى جانب القيود المفروضة على بعض خدمات الإنترنت والاتصالات، لم تؤدِ إلى تراجع كبير في الاستقرار العام داخل البلاد.
ويرى التقرير أن مستوى المعيشة داخل روسيا لا يزال مقبولًا لدى قطاعات واسعة من السكان، خصوصًا عند مقارنته ببعض الاقتصادات الأخرى، وهو ما ساهم في الحد من احتمالات حدوث اضطرابات اجتماعية واسعة.
المزاج الشعبي بين النقد والدعم
أوضح التحليل أن المزاج العام داخل روسيا لا يعكس حالة غضب شاملة أو رغبة في تغيير النظام السياسي، رغم وجود انتقادات داخلية للحرب والسياسات الاقتصادية.
ويشير التقرير إلى أن جزءًا من الروس، بما في ذلك بعض المعارضين، بات ينظر إلى الخطاب الغربي باعتباره محاولة لعزل روسيا سياسيًا واستراتيجيًا، وهو ما عزز من تماسك داخلي نسبي حول الدولة.
وفي المقابل، يرى المواطنون أن البدائل السياسية المطروحة قد تحمل مخاطر أكبر تتعلق بالفوضى أو عدم الاستقرار، وهو ما يحد من فرص التغيير الجذري في المدى القريب.
الحرب في أوكرانيا وإعادة تشكيل الدولة
يركز التقرير على أن الحرب في أوكرانيا لم تؤدِ إلى إضعاف النظام الروسي كما كان متوقعًا في بعض التحليلات الغربية، بل ساهمت في تعزيز توجه الدولة نحو نموذج أكثر مركزية يعتمد على اقتصاد الحرب.
وقد انعكس ذلك في زيادة الإنفاق العسكري وتوسيع دور الصناعات الدفاعية، إلى جانب تعزيز سياسات التعبئة الاقتصادية لمواجهة العقوبات طويلة الأمد.
وترى المجلة أن هذا التحول جعل روسيا أكثر قدرة على تحمل الضغوط، بدلًا من الانهيار السريع الذي كانت تتوقعه بعض التقديرات الغربية.
توسع الناتو نقطة تحول في العلاقة مع الغرب
يشير التقرير إلى أن توسع حلف شمال الأطلسي شرقًا شكّل نقطة تحول رئيسية في العلاقة بين روسيا والغرب، حيث ساهم في تغيير النظرة الروسية تجاه النوايا الغربية.
ويرى أن هذا التوسع، إلى جانب تدخلات عسكرية غربية سابقة في مناطق قريبة من روسيا، عزز شعورًا داخل موسكو بأن هناك سياسة تطويق استراتيجية تستهدفها.
وبحسب التحليل، فإن تجاهل هذه التحذيرات في السابق ساهم في تراكم التوترات التي وصلت لاحقًا إلى المواجهة العسكرية في أوكرانيا.
اقتصاد حرب يعزز القدرة على الصمود
تؤكد المجلة أن روسيا أعادت هيكلة جزء كبير من اقتصادها ليصبح أقرب إلى نموذج “اقتصاد الحرب”، ما سمح لها بمواجهة العقوبات الممتدة دون انهيار في البنية الأساسية للدولة.
ويعتمد هذا النموذج على توجيه الموارد نحو القطاعات الحيوية والدفاعية، مع تعزيز الرقابة الحكومية على بعض القطاعات الاقتصادية لضمان الاستقرار الداخلي.
وترى المجلة أن هذا التحول منح موسكو قدرة أكبر على الاستمرار في المواجهة طويلة الأمد مع الغرب.
غياب بدائل سياسية مستقرة
على الصعيد الداخلي، يشير التقرير إلى أن البدائل السياسية الحالية لا تتمتع بقدرة واضحة على تقديم نموذج حكم أكثر استقرارًا من النظام القائم.
كما أن المخاوف من الفوضى أو الانقسام الداخلي أو تكرار تجارب عدم الاستقرار السابقة تلعب دورًا في تعزيز بقاء الوضع السياسي الحالي دون تغييرات جذرية.
في ختام تحليلها، ترى مجلة “أمريكان كونسيرفيتيف” أن الرهانات الغربية على انهيار سريع لروسيا أو تآكل سلطة بوتين لم تتحقق على أرض الواقع، بل إن السياسات القائمة على العقوبات والتصعيد ربما ساهمت في تعزيز التماسك الداخلي للدولة الروسية.
وتخلص المجلة إلى أن استمرار الحرب في أوكرانيا دون مؤشرات حقيقية على انهيار النظام الروسي يفرض إعادة تقييم للسياسات الغربية، في ظل واقع جديد يتسم بقدرة روسيا على الصمود وإعادة التكيف مع الضغوط الدولية المتزايدة.










