طهران – المنشر الاخباري، 13 مايو 2026، عاشت العاصمة الإيرانية طهران والمدن المجاورة لها ليلة بيضاء سادها الذعر والقلق، إثر تعرض مدينة “بارديس” الجديدة (شمال شرق طهران) لسلسلة من الهزات الأرضية المتتالية التي بلغت تسع هزات، بدأت من الساعة الخامسة مساء الثلاثاء واستمرت حتى ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء.
وسجلت المراصد الزلزالية هزتين رئيسيتين تجاوزت قوتهما 4 درجات على مقياس ريختر، مما دفع آلاف المواطنين إلى ترك منازلهم واللجوء إلى الشوارع والحدائق العامة خوفا من انهيارات محتملة.
تفاصيل النشاط الزلزالي
وفقا للمركز الزلزالي التابع لمعهد الجيوفيزياء بجامعة طهران، وقعت الهزة الأقوى في تمام الساعة 11:46 قبل منتصف الليل بقوة 4.6 درجة على عمق ضحل، مما ضاعف الشعور بالاهتزاز في مناطق واسعة من شرق ووسط العاصمة. هذا النشاط المكثف لم يكن مجرد حدث عابر، بل أعاد إلى الأذهان تاريخ المنطقة المليء بالهزات المدمرة.
تحذيرات الخبراء: تقاطع الصدوع القاتلة
وفي قراءة فنية لهذه التطورات، أوضح البروفيسور مهدي زارع، عالم الزلازل في المعهد الدولي لعلم الزلازل وهندسة الزلازل، أن منطقة شرق طهران (التي تضم دماوند، رودهين، وبومهين) تعتبر “نقطة حرجة” جيولوجيا.
وأشار إلى أن هذه الهزات وقعت عند التقاطع الهيكلي لصدعين من أخطر صدوع المنطقة: صدع “ماشا” الذي يمتد لأكثر من 200 كيلومتر، وصدع شمال طهران.
وأكد زارع أن هذا التقاطع يتسبب في وصول “الإجهاد التكتوني” إلى ذروته، خاصة في منطقة مدينة بارديس.
وأضاف: “التاريخ يخبرنا أن هذه المنطقة شهدت عام 1830 زلزالا مدمرا بقوة 7.1 درجة، تسبب في فناء مناطق كاملة في دماوند وشميرانات. واليوم، وبعد مرور نحو 196 عاما على ذلك الحدث، يمر صدع ماشا بمرحلة إجهاد حرجة للغاية”.
دور بركان دماوند
لم يتوقف التحليل عند الصدوع فقط، بل أشار زارع إلى عامل إضافي يزيد من تعقيد المشهد، وهو بركان دماوند شبه النشط. وأوضح أن الأنشطة الصهارية (الماجما) داخل البركان تؤدي إلى تغيير ضغوط المسام في القشرة الأرضية، مما يحفز الصدوع المحيطة ويجعلها أكثر عرضة للانزلاق والتحرك.
هل الهزات الصغيرة “صمام أمان”؟
ردا على التساؤل الشائع حول ما إذا كانت هذه الهزات الصغيرة تفرغ طاقة الأرض وتحمي من زلزال كبير، قدم زارع إجابة حذرة: “رغم أن الهزات المتكررة تفرغ جزءا من الطاقة، إلا أنها في بعض الأحيان تكون ‘نذيرا’ (Foreshocks) لحدث أكبر، خاصة في ظل عدم استقرار القشرة الأرضية في منطقة واسعة. العلم لا يحدد الساعة أو اليوم، لكن المؤشرات الجيولوجية تقول إن المنطقة في حالة تأهب طبيعي”.
تحرك إدارة الأزمات
من جانبه، أعلن حامد يزدي مهر، رئيس إدارة الأزمات في محافظة طهران، حالة الاستعداد القصوى لجميع وكالات الإغاثة والفرق الطبية.
وأكد في تصريحات صحفية إرسال فرق تقييم ميدانية إلى بارديس وبوميهان لفحص البنية التحتية. وطمأن المواطنين بأنه حتى اللحظة لم يتم تسجيل إصابات بشرية أو أضرار إنشائية جسيمة، لكنه شدد على ضرورة توخي الحذر والالتزام بإرشادات السلامة.
واقع مرير وتوصيات ملحة
أعادت “ليلة بارديس” تذكير سكان العاصمة الإيرانية بالواقع المرير لمدينتهم القابعة فوق “حزام النار” الزلزالي.
ويجمع الخبراء على أن الحل الوحيد لتقليل الكوارث المستقبلية لا يكمن في التنبؤ بالوقت، بل في “وقف التوسع العمراني العشوائي في المدن التابعة” و”التطبيق الصارم لكودات البناء المقاومة للزلازل”.
بينما عادت الحركة إلى طبيعتها في شوارع طهران صباح الأربعاء، بقيت الأعين معلقة بقمة دماوند والقلوب مترقبة لما تخبئه الصدوع الكامنة تحت الأقدام، في ظل تحذيرات علمية تؤكد أن الصدع الذي دمر طهران قبل قرنين، قد استجمع طاقته مجددا.










