قراءة نقدية يقدمها المنشر الإخبارى عن خطاب سياسي يبالغ في تصور قدرات الحصار ويتجاهل منطق الصناعة النفطية
طهران – المنشر الإخبارى
تواصل البنية التحتية النفطية الإيرانية العمل تحت رقابة وإدارة مستمرة من مهندسين إيرانيين يمتلكون خبرة طويلة في تشغيل الحقول الكربونية الناضجة.
فقد أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا بتصريحات مثيرة للجدل، زعم فيها أن إيران لم يتبقَّ لديها سوى ثلاثة أيام من سعة تخزين النفط الخام، وأنه بعد ذلك ستبدأ آبار النفط في الانفجار تلقائيًا.
وخلال ساعات قليلة، بدأ المتداولون والمحللون في أسواق الطاقة ومواقع التواصل الاجتماعي في تفكيك هذا الادعاء الذي وصفوه بأنه يفتقر إلى أي منطق تقني، حيث لا يمكن علميًا أن يؤدي امتلاء خزانات التخزين إلى انفجارات في باطن الأرض.
وبالنسبة لأي مهندس بترول، فإن هذا الادعاء لا يختلف كثيرًا عن فكرة “غليان المحيط” أو “إطفاء الشمس بدلو ماء”.
لكن بعيدًا عن السطحية التقنية لهذا التصريح، فإنه يكشف عن فجوة معرفية كبيرة حول حقيقة قدرات صناعة النفط الإيرانية في ظل الحصار البحري المشدد الذي تفرضه الولايات المتحدة وإسرائيل ضمن ما تصفه طهران بأنه حرب ضدها.
لا انفجارات في الآبار
يستخدم هذا التقرير بيانات فنية وتصريحات رسمية وتحليلات خبراء لتوضيح لماذا لا تواجه إيران خطر انفجار الآبار النفطية، وكيف تمكنت من الحفاظ على مستويات الإنتاج حتى في أشد فترات الحرب صعوبة.
ترامب ادعى أن إيران لا تمتلك سعة تخزين كافية للنفط المستخرج، وأن امتلاء الخزانات سيؤدي إلى انفجار الآبار.
لكن هذا التصور يحتوي على خطأين أساسيين:
أولًا، إغلاق البئر النفطي هو إجراء فني روتيني في صناعة النفط عالميًا. فعندما تمتلئ الخزانات أو تُغلق خطوط التصدير، يتم إغلاق صمام رأس البئر وإيقاف التدفق بشكل طبيعي، دون أي انفجارات.
ثانيًا، حتى في حال استمرار إغلاق البئر لفترة طويلة، فإن أسوأ ما قد يحدث هو تأثير تدريجي على التكوين الجيولوجي، وليس انفجارًا بأي شكل.
ردود إيرانية رسمية
وزير النفط الإيراني محسن باك نجاد وصف هذه الادعاءات بأنها “خيالات خام”، مؤكداً أن من يفهم طبيعة الصناعة النفطية يدرك تمامًا عدم صحتها.
وأضاف أن إنتاج النفط الإيراني لم يتأثر خلال الحرب التي استمرت 40 يومًا، وأن عمليات التصدير استمرت بصورة مستقرة ومنتظمة.
البنية التحتية والتخزين
وتشير البيانات إلى أن إيران تمتلك واحدة من أكبر قدرات تخزين النفط في المنطقة.
كما أعلنت شركة تشغيل محطات النفط الإيرانية، المسؤولة عن منشأة جزيرة خرج، عدم تسجيل أي تسربات في الخزانات أو الموانئ أو خطوط الأنابيب.
وقال مدير الشركة عباس أسدروز إن مركز MEMAC التابع للمنظمة البحرية الدولية لم يسجل أي تقارير تلوث في المنطقة.
كما أشار إلى أن الصور الفضائية التي نشرتها بعض وسائل الإعلام لا تتوافق مع البيانات الجوية واتجاهات الرياح، ما يجعلها غير دقيقة من الناحية الفنية.
مفاهيم خاطئة حول “إغلاق الآبار”
يحاول بعض التحليلات الإعلامية تصوير إغلاق الآبار على أنه تدمير لها، بينما هو في الحقيقة إجراء تشغيل طبيعي.
إغلاق البئر لفترة قصيرة لا يسبب أي ضرر، بل قد يحسن توزيع الضغط داخل المكمن.
وفي حقول مثل أهواز ومارون وغچساران، قد يؤدي إعادة التشغيل أحيانًا إلى تحسين كفاءة الإنتاج.
أما الإغلاق المتوسط أو الطويل، فقد يسبب بعض المشكلات التقنية القابلة للعلاج مثل الترسبات أو زيادة المياه المصاحبة، لكنها لا تؤدي إلى فقدان النفط.
الإنتاج والاستهلاك الداخلي
تنتج إيران ما بين 3.2 إلى 3.6 مليون برميل يوميًا، يستهلك منها داخليًا نحو 1.8 إلى 2 مليون برميل.
وهذا يعني أن معظم الإنتاج يُستخدم محليًا في المصافي ومحطات الطاقة، حتى في حال توقف التصدير الكامل.
وتستمر الحقول في الجنوب والغرب في تغذية مصافي أصفهان وطهران وتبريز وأبادان، دون الحاجة إلى إغلاق شامل للآبار.
مرونة شبكات النقل
تعتمد إيران أيضًا على بدائل لنقل الطاقة، مثل خط سكك حديد خواف–هرات لنقل الوقود إلى أفغانستان، إضافة إلى شحنات برية محدودة إلى باكستان.
ورغم أن هذه البدائل لا تعوض الصادرات البحرية بالكامل، فإنها تثبت أن منظومة الطاقة الإيرانية ليست معتمدة على مسار واحد فقط.
نفي مزاعم التسرب النفطي
في الأيام الأخيرة، نشرت بعض وسائل الإعلام الأجنبية صورًا لتسرب نفطي في الخليج، وزعمت أنه نتيجة انفجار أو تسرب في منشآت إيرانية.
لكن السلطات الإيرانية نفت ذلك بشكل قاطع، مؤكدة عدم تسجيل أي تسربات في خطوط الأنابيب أو السفن.
وقالت رئيسة منظمة حماية البيئة الإيرانية شينا أنصاري إن البيانات الميدانية لا تشير إلى أي حادث تسرب.
كما أكد مدير شركة تشغيل الموانئ النفطية أن اتجاه الرياح والبيانات الجوية لا تتوافق مع الصور المنشورة، ما يشير إلى عدم دقتها.
في النهاية، فإن ادعاء ترامب بأن آبار النفط الإيرانية ستنفجر بسبب نقص التخزين لا أساس له علميًا أو تقنيًا أو تشغيليًا.
الإنتاج مستمر، البنية التحتية تعمل، والمهندسون الإيرانيون يديرون الحقول بكفاءة عالية حتى في ظل الضغوط.
وخلال 40 يومًا من الحرب، لم يتراجع إنتاج النفط الإيراني، واستمرت عمليات التصدير بشكل طبيعي، وفق ما تؤكده وزارة النفط.
ووفق مسؤولين إيرانيين، فإن ما يُطرح في الإعلام الغربي لا يتجاوز “تصورات غير واقعية”، بينما الواقع على الأرض يعكس استقرارًا في قطاع الطاقة.











