تشريع روسي جديد يثير مخاوف دولية مع توسيع صلاحيات التدخل العسكري تحت ذريعة “حماية المواطنين”
موسكو – المنشر الإخبارى
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والدبلوماسية، أقرّ مجلس الدوما الروسي تشريعاً جديداً يمنح الكرملين صلاحيات موسعة لنشر قوات عسكرية خارج حدود البلاد، بذريعة “حماية المواطنين الروس” في الخارج، وهو ما اعتبره مراقبون تطوراً قد يعيد رسم قواعد استخدام القوة الروسية دولياً، ويفتح الباب أمام تفسيرات مرنة للتدخل العسكري خارج الحدود.
وبحسب نصوص القانون الجديد، فإن التدخل العسكري يمكن تبريره في حال تعرّض مواطنون روس للاعتقال أو الملاحقة أو الاحتجاز في دول أجنبية، خاصة إذا اعتبرت موسكو أن تلك الإجراءات تستند إلى “أحكام غير عادلة” أو صدرت دون تنسيق قضائي مباشر مع الجانب الروسي. هذا البند تحديداً أثار مخاوف من إمكانية توظيفه كغطاء قانوني واسع للتدخل في دول ذات أزمات سياسية أو توترات مع موسكو.
ذريعة “حماية المواطنين”.. توسع في مفهوم التدخل
يرى خبراء قانونيون أن الصياغة الجديدة تعيد إحياء مفهوم استخدمته روسيا في محطات سابقة من سياستها الخارجية، حيث جرى توظيف فكرة “حماية المواطنين أو الناطقين بالروسية” كمدخل لتبرير عمليات عسكرية خارج الحدود.
ويشير هؤلاء إلى أن هذا التوجه لم يكن نظرياً في السابق، بل ظهر عملياً في سياقات مثل ضم شبه جزيرة القرم عام 2014، ثم الحرب الواسعة على أوكرانيا عام 2022، حيث جرى الاستناد إلى روايات تتعلق بحماية الروس في مناطق النزاع.
دوما روسي يدافع.. والغرب يحذّر
في المقابل، دافع رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما أندريه كارتابولوف عن التشريع الجديد، قائلاً إنه يأتي في إطار مواجهة ما وصفه بـ”رهاب الروس” المتزايد في الخارج، مؤكداً أن المواطنين الروس في بعض الدول باتوا عرضة لضغوط سياسية وقضائية تستوجب وجود مظلة حماية رسمية من الدولة.
أما رئيس مجلس الدوما فياتشيسلاف فولودين، فقد ذهب أبعد من ذلك حين اعتبر أن الأنظمة القضائية في بعض الدول الغربية تحولت – على حد وصفه – إلى أدوات سياسية تستخدم ضد من يرفض السياسات المفروضة دولياً، وهو ما يتطلب، وفق رأيه، تحركاً روسياً أكثر صرامة لحماية مصالحها ومواطنيها.
لكن في المقابل، حذّر محللون غربيون من أن هذا التشريع قد يُستخدم لتوسيع نطاق العمليات العسكرية الروسية، خاصة في المناطق التي تضم جاليات روسية أو ترتبط بمصالح استراتيجية لموسكو.
سياق جيوسياسي متوتر أصلاً
يأتي هذا التطور التشريعي في وقت تشهد فيه العلاقات الروسية الأوروبية والأمريكية توتراً غير مسبوق، مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتوسع تداعياتها الأمنية والاقتصادية.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن الهجمات المتبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة لم تعد محصورة داخل الأراضي الأوكرانية، بل امتدت بشكل غير مباشر إلى مناطق حدودية داخل دول مجاورة، ما دفع حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى تعزيز وجوده العسكري في الجناح الشرقي لأوروبا.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن أي توسع قانوني في صلاحيات التدخل الخارجي الروسي قد يزيد من مخاوف دول البلطيق وبولندا ودول أخرى من احتمال اتساع رقعة المواجهة.
تحذيرات أوكرانية من “مرحلة جديدة”
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان قد حذّر في تصريحات سابقة من أن ما وصفه بـ”حملات التضليل والإجراءات التمهيدية” قد تسبق عمليات عسكرية أوسع، لا تستهدف أوكرانيا وحدها، بل قد تمتد إلى دول أخرى في شرق أوروبا.
وتعتبر كييف أن موسكو تسعى إلى إعادة تشكيل النفوذ الإقليمي بالقوة، في حين تؤكد روسيا أن عملياتها تأتي في إطار “الدفاع عن الأمن القومي” ومواجهة التوسع الغربي قرب حدودها.
إعادة تشكيل قواعد الردع
في المقابل، بدأت بعض الدول الأوروبية بالفعل في مراجعة استراتيجياتها الدفاعية، وسط دعوات لتعزيز قدرات الردع السيبراني والعسكري.
وأعلنت السويد، على سبيل المثال، عن إنشاء وكالة استخبارات جديدة متخصصة في رصد التهديدات الخارجية، في خطوة تعكس تغيراً في أولويات الأمن القومي الأوروبي بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ويرى محللون أن هذه التحركات تشير إلى دخول أوروبا مرحلة جديدة من “إعادة التسلح الدفاعي”، بالتوازي مع تصاعد الخطاب الروسي حول حماية المواطنين خارج الحدود.
هل يفتح القانون الباب لتدخلات جديدة؟
السؤال الأبرز الذي يطرحه المراقبون اليوم هو: هل يمثل هذا التشريع مجرد إطار قانوني تنظيمي، أم أنه تمهيد لمرحلة أكثر توسعاً في استخدام القوة الروسية خارج الحدود؟
الإجابة ليست محسومة، لكن المؤشرات السياسية والتاريخية توحي بأن موسكو تميل إلى توسيع مفهوم “الحماية” ليشمل نطاقات جغرافية أوسع، خاصة في ظل استمرار الصراع مع الغرب.
وبينما ترى موسكو أن القانون خطوة دفاعية، تعتبره أطراف دولية أخرى أداة مرنة قد تُستخدم لتبرير عمليات تدخل مستقبلية في مناطق مختلفة من العالم.
في المحصلة، يعكس التشريع الروسي الجديد حالة تصعيد قانوني وسياسي ضمن سياق دولي شديد التوتر، حيث تتداخل مفاهيم الأمن القومي، والسيادة، وحماية المواطنين، مع حسابات الجغرافيا السياسية والصراع بين القوى الكبرى.
وبينما تستعد العواصم الغربية لقراءة أعمق لتداعيات هذا القانون، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان سيظل مجرد إطار قانوني، أم يتحول إلى أداة فعالة في إعادة تشكيل خريطة النفوذ الروسي خارج الحدود.










