خلافات داخل “الإطار التنسيقي” تؤجل حسم الحقائب السيادية وتحذيرات من دخول البلاد في مرحلة شلل سياسي مبكر
بغداد – المنشر الإخبارى
تواجه الحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي واحدة من أكثر المراحل السياسية حساسية وتعقيداً، بعد أيام قليلة فقط من نيلها ثقة البرلمان بشكل جزئي، في ظل استمرار الخلافات بين القوى السياسية حول توزيع الحقائب الوزارية المتبقية، وتزايد الانقسامات داخل “الإطار التنسيقي” الذي يُعد أحد أبرز التحالفات السياسية الحاكمة في البلاد.
ورغم نجاح مجلس النواب في التصويت على 14 وزيراً من أصل 23 حقيبة وزارية، إلا أن المشهد السياسي لا يزال يواجه حالة من الجمود، مع بقاء عدد من الوزارات السيادية والخدمية دون حسم، وعلى رأسها الداخلية والدفاع والتعليم العالي والتخطيط والإعمار والثقافة، إضافة إلى تأجيل التوافق على مناصب نواب رئيس الوزراء وعدد من الحقائب الحيوية الأخرى مثل العمل والهجرة والشباب والرياضة.
ويأتي هذا التعثر في لحظة سياسية دقيقة تمر بها البلاد، حيث تتداخل الاعتبارات الحزبية مع التوازنات داخل التحالفات الكبرى، ما جعل عملية تشكيل الحكومة أشبه بمرحلة إعادة رسم للنفوذ السياسي داخل البرلمان أكثر منها مجرد توزيع حقائب تنفيذية.
أزمة الثقة داخل التحالف الحاكم
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأزمة الحالية داخل “الإطار التنسيقي” لا تتعلق فقط بتوزيع المناصب، بل تعكس أيضاً عمق الخلافات بين مكوناته السياسية المختلفة، التي تتنافس على النفوذ داخل الحكومة الجديدة، في ظل غياب توافق نهائي على آلية إدارة السلطة التنفيذية.
وقد ازدادت حدة التوتر بعد انسحاب كتل سياسية بارزة مثل “العقد الوطني” بزعامة فالح الفياض و”سومريون” برئاسة أحمد الأسدي من تحالف “الإعمار والتنمية”، وهو ما اعتُبر مؤشراً واضحاً على إعادة تشكل التحالفات داخل البيت السياسي الشيعي، وفتح الباب أمام احتمالات إعادة توزيع النفوذ داخل البرلمان.
ويرى مراقبون أن هذه الانقسامات تمثل امتداداً لخلافات قديمة كانت تُدار في السابق عبر التسويات السياسية والضغوط غير المباشرة، لكنها اليوم باتت أكثر وضوحاً وعلنية، ما يضع الحكومة الجديدة أمام تحديات مبكرة قد تؤثر على استقرارها السياسي.
جلسة برلمانية مشحونة وتوترات داخل القاعة
وشهدت جلسة التصويت الأخيرة على الكابينة الوزارية أجواءً متوترة بشكل غير مسبوق، حيث تطورت الخلافات بين النواب إلى مشادات كلامية واحتكاكات محدودة قرب منصة رئاسة البرلمان، في مشهد عكس حجم الاحتقان السياسي داخل المؤسسة التشريعية.
وجاءت هذه التوترات على خلفية اعتراضات من نواب على آلية احتساب الأصوات الخاصة ببعض المرشحين، لا سيما ما يتعلق بترشيحات وزارة الداخلية، والتي تعد من أكثر الحقائب حساسية في التوازنات السياسية والأمنية داخل العراق.
وبحسب مصادر برلمانية، فإن الخلافات لم تكن تقنية فقط، بل تعكس صراعاً سياسياً أعمق بين الكتل المتنافسة على فرض مرشحيها في المواقع السيادية داخل الدولة، وهو ما أدى إلى تعطيل استكمال تشكيل الحكومة حتى الآن.
تحذيرات من شلل سياسي مبكر
وفي ظل هذا المشهد المعقد، حذر عدد من المراقبين من أن استمرار حالة الانقسام السياسي قد يقود إلى شلل تدريجي في عمل الحكومة، خاصة إذا لم يتم التوصل إلى توافق سريع بشأن الحقائب الوزارية المتبقية.
ويرى هؤلاء أن تأخر استكمال الكابينة الوزارية سيؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها السياسي والخدمي، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجه البلاد، والتي تتطلب حكومة مكتملة الصلاحيات.
كما أشار محللون إلى أن غياب الحسم السياسي قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع داخل البرلمان، ما قد ينعكس على العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، ويزيد من حالة عدم الاستقرار السياسي.
الإطار التنسيقي بين التماسك والانقسام
ويُعد “الإطار التنسيقي” أحد أبرز القوى السياسية الفاعلة في العراق خلال المرحلة الحالية، إلا أن التطورات الأخيرة كشفت عن وجود تباينات داخلية عميقة بين مكوناته، خاصة فيما يتعلق بإدارة السلطة وتوزيع المناصب داخل الحكومة.
وبينما تسعى بعض الأطراف إلى تسريع عملية استكمال تشكيل الحكومة لتجنب الفراغ السياسي، تدفع أطراف أخرى باتجاه إعادة التفاوض حول حصصها داخل السلطة التنفيذية، وهو ما يخلق حالة من التعقيد السياسي المستمر.
ويرى خبراء في الشأن العراقي أن هذا النوع من الخلافات ليس جديداً على المشهد السياسي في البلاد، لكنه هذه المرة يأتي في ظرف إقليمي ودولي أكثر حساسية، ما يزيد من تأثيره على استقرار الحكومة الجديدة.
تحركات لتشكيل تحالفات جديدة
وفي خضم هذه الأزمة، تتحدث مصادر سياسية عن تحركات داخل البرلمان لتشكيل تحالفات جديدة، قد تعيد رسم خريطة القوى السياسية بشكل كامل خلال المرحلة المقبلة.
وتشير هذه المصادر إلى وجود توجه نحو تشكيل ما يُعرف بـ”تحالف الأقوياء”، الذي قد يضم عدداً من القوى السياسية الفاعلة، في محاولة لإعادة التوازن داخل البرلمان، ومواجهة حالة الانقسام الحالية.
وفي المقابل، هناك جهود داخل “الإطار التنسيقي” لإعادة لملمة صفوفه ومنع تفكك التحالف، من خلال تسويات سياسية جديدة قد تشمل إعادة توزيع بعض الحقائب الوزارية أو التوصل إلى تفاهمات حول المناصب العالقة.
مستقبل الحكومة على المحك
ومع استمرار حالة الجمود السياسي، تبدو حكومة الزيدي أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الصمود في مواجهة الخلافات الداخلية، خاصة في ظل غياب توافق نهائي على تشكيل كابينة وزارية مكتملة.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبل الحكومة، سواء من حيث قدرتها على استكمال تشكيلها أو مواجهة تحديات سياسية قد تؤثر على استقرارها.
كما يشير محللون إلى أن نجاح الحكومة في تجاوز هذه المرحلة يعتمد بشكل أساسي على قدرة القوى السياسية على تقديم تنازلات متبادلة، والانتقال من منطق الصراع على النفوذ إلى منطق إدارة الدولة.
تحديات اقتصادية وأمنية موازية
وبالتوازي مع الأزمة السياسية، تواجه الحكومة العراقية تحديات اقتصادية وأمنية متزايدة، تتطلب استقراراً سياسياً سريعاً لضمان القدرة على التعامل معها بشكل فعال.
وتشمل هذه التحديات ملفات البطالة والخدمات العامة وإعادة الإعمار، إضافة إلى التحديات الأمنية المرتبطة ببعض المناطق غير المستقرة، وهو ما يزيد من أهمية الإسراع في استكمال تشكيل الحكومة.
خلاصة المشهد
في المحصلة، يبدو أن حكومة علي الزيدي دخلت مرحلة سياسية معقدة منذ أيامها الأولى، حيث تتقاطع الخلافات الداخلية مع إعادة تشكيل التحالفات السياسية داخل البرلمان، ما يجعل مستقبلها مرهوناً بقدرة القوى السياسية على التوصل إلى تسويات شاملة.
ومع استمرار الانقسامات داخل “الإطار التنسيقي” وتعثر حسم الحقائب الوزارية، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الحكومة على تجاوز هذه المرحلة الحرجة، أم أن البلاد تتجه نحو مرحلة جديدة من عدم الاستقرار السياسي المبكر.









