سان دييغو — استفاقت الولايات المتحدة الأمريكية على فاجعة أمنية وإنسانية هائلة، إثر هجوم مسلح دموي استهدف المركز الإسلامي في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا، وهو الهجوم الذي أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص ووفاة المشتبه بهما، وأعاد إلى الواجهة مخاوف تصاعد جرائم الكراهية والإسلاموفوبيا، مسببا حالة من الاستنفار الأمني والسياسي تجاوزت حدود الولاية لتصل إلى الساحل الشرقي في نيويورك.
تسلسل زمني دراماتيكي: تحذير الأم وفشل التكنولوجيا في سباق الزمن
تتكشف الحقائق تدريجيا عن كواليس الساعات التي سبقت المجزرة، حيث أعلن قائد شرطة سان دييغو، سكوت وال، في مؤتمر صحفي مساء الاثنين، أن الأجهزة الأمنية كانت في سباق مع الزمن لمحاولة تعقب المشتبه بهما قبل وقوع الهجوم، مستخدمة تقنيات الرصد الحديثة لكن دون جدوى لمنع الكارثة.
وبدأت الفصول المأساوية للحادث في تمام الساعة 9:42 صباح يوم الاثنين، عندما تلقت السلطات بلاغا من والدة أحد المشتبه بهم يفيد بهروب ابنها القاصر واختفائه.
وبحسب قائد الشرطة، تصاعدت وتيرة القلق والخطورة بشكل متسارع طوال فترة الصباح مع تدفق معلومات جديدة وجدتها الأم؛ حيث بدأت “تجمع أجزاء من المعلومات” الحساسة وتنقلها للمحققين، مشيرة إلى اكتشافها اختفاء مركبة وبعض الأسلحة النارية من المنزل.
وأضاف وال:”بناء على هذه المعطيات الخطيرة، اعتقدت الأم أن ابنها يمر بأزمة نفسية حادة وكان يفكر جليا في الانتحار”.
فور تلقي هذه التفاصيل المرعبة، استنفرت “وحدة إدارة التهديدات” التابعة لشرطة سان دييغو لربط خيوط القضية، وبدأت في معالجة البيانات المتاحة واستغلال التكنولوجيا الفائقة.
وجاءت أجهزة قراءة لوحات السيارات الرقمية والآلية (ALPR) على رأس القائمة في محاولة لتعقب حركة السيارة المفقودة. وبالفعل، تلقى المحققون تنبيهات إلكترونية خاطفة تشير إلى رصد المركبة المرتبطة بالمشتبه بهم في محيط منطقة “فاشون فالي” التجارية الشهيرة.
وعلى الفور، هرعت قوات الدعم والضباط إلى المركز التجاري والمناطق المحيطة به في محاولة لتحديد مكان المراهقين وتطويقهما، بيد أن الموت كان أسرع، إذ كانت الشرطة لا تزال تبحث عنهما في المنطقة التجارية عندما ورد بلاغ عاجل وصادم عبر خطوط الطوارئ قبل الظهر بقليل، يفيد بوجود مسلحين يطلقون النار داخل المركز الإسلامي في شارع إيكستروم، ليربط المحققون فورا بين بلاغ الاختفاء والهجوم المسلح.
الهجوم والتدخل: دماء في المسجد وبطولة حارس حال دون الكارثة
استجابت أجهزة الأمن في سان دييغو بعد الظهر مباشرة لبلاغات إطلاق النار في المركز الإسلامي الواقع في المربع 7000 من شارع “إيكستروم”.
وتوافدت وحدات التدخل السريع وفرق مكافحة الإرهاب والشرطة المحلية، محولة محيط المسجد إلى ثكنة عسكرية، فرضت خلالها طوقا أمنيا مشددا، وباشرت عمليات إخلاء واسعة النطاق للمباني والمناطق السكنية المجاورة حفاظا على الأرواح.
وكشف قائد الشرطة سكوت وال أن المنفذين هما مراهقان يبلغان من العمر 17 و19 عاما، وقد لقيا حتفهما داخل الموقع. وأوضح وال للصحفيين أن التحقيقات الأولية تشير بقوة إلى أن المشتبه بهما انتحرا ولقيا مصرعهما جراء إصابات ناجمة عن إطلاق النار على أنفسهم، مؤكدا في الوقت ذاته أن أي من ضباط الشرطة لم يطلق النار من سلاحه خلال الحادث، بانتظار النتائج النهائية للتحقيقات الجارية.
وعلى صعيد الضحايا، أكدت السلطات مقتل ثلاثة أشخاص بالغين داخل المركز. وأشاد قائد الشرطة بشكل خاص بأحد الضحايا، والذي تم التعرف عليه كحارس أمن المسجد، مؤكدا أن الحارس البطل “لعب دورا محوريا وشجاعا” في التصدي للمهاجمين ومنع الهجوم من التفاقم واستهداف أعداد أكبر من المصلين.
ولم تفصح السلطات حتى اللحظة عن هويات الضحيتين الآخرين احتراما لعائلاتهم.
ذعر وإخلاء في أكبر صرح إسلامي بالمنطقة
يعد المركز الإسلامي المستهدف الصرح والمستودع الديني الأكبر للمسلمين في مقاطعة سان دييغو برمتها، ويشترك في نفس العنوان والموقع مع الحرم الجامعي السفلي لـ “أكاديمية برايت هورايزون”، وهي مدرسة إسلامية خاصة مميزة تخدم مئات الطلاب من مرحلة ما قبل الروضة وحتى الصف الثاني عشر؛ مما ضاعف من حجم القلق والرعب للاشتباه في استهداف الأطفال.
ونقلت قناة “فوكس 5 سان دييغو” بثا حيا للانتشار الكثيف لقوات التدخل السريع خارج المسجد، رفقة فرق الإطفاء والإنقاذ، كما وثقت الكاميرات مشاهد مروعة ومشحونة عاطفيا لإجلاء أعداد كبيرة من الأطفال والطلاب من المدارس المجاورة وأكاديمية برايت هورايزون وهم يهرعون تحت حماية الشرطة.
وفي محاولة لتهدئة روع العائلات، ظهر الإمام طه حسان، المدير المخضرم للمركز الإسلامي، في مقطع فيديو طارئ عبر الحساب الرسمي للمسجد على منصة “فيسبوك”، ليعلن إجلاء الجميع بأمان.
وقال حسان بنبرة حزينة ومطمئنة في آن واحد:”نحن بأمان، المدرسة بأكملها آمنة، وجميع الأطفال والموظفين والمعلمين أخرجوا بسلام خارج أسوار المركز الإسلامي. هناك عدد قليل من الضحايا غمرتنا دماؤهم، لكن لا يوجد أي تهديد إضافي في هذه اللحظة”.
وقد أعلن المركز إغلاق أبوابه بالكامل وإلغاء الأنشطة لبقية اليوم وجعل المنطقة خاضعة لإدارة المحققين.
غضب سياسي وتصنيف الهجوم كـ “جريمة كراهية”
توالت ردود الفعل السياسية الغاضبة؛ حيث علق رئيس بلدية سان دييغو، تود غلوريا، عبر حسابه على منصة X منذ اللحظات الأولى قائلا: “أنا على علم بوضع إطلاق النار النشط في المركز الإسلامي، وأتلقى التحديثات دوريا، فرقنا تعمل لحماية المجتمع”.
وفي مؤتمر صحفي لاحق، أعلن غلوريا تعزيز الإجراءات الأمنية حول دور العبادة كافة، وزيادة الدوريات الأمنية لحماية الجالية المسلمة، مصرحا بحزم: “لا مكان للكراهية أو الإسلاموفوبيا في سان دييغو”.
من جانبه، أعلن قائد الشرطة رسميا تحويل مسار التحقيقات القضائية لتعمل بموجب قوانين “جرائم الكراهية” الفيدرالية والمحلية، مؤكدا عثور السلطات على ما وصف بـ “خطاب كراهية” صريح وواضح مرتبط بالحادثة، يبحث المحققون حاليا عن مصدره وخلفياته، موضحا أن هذا الخطاب كان عاما ولم يتضمن تهديدا موجها للمركز الإسلامي بالاسم قبل الجريمة.
صدى الجريمة يزلزل نيويورك: استنفار أمني حول المساجد
لم تقف تداعيات الهجوم عند حدود ولاية كاليفورنيا؛ ففي الساحل الشرقي، أعلنت إدارة شرطة نيويورك (NYPD) عن رفع حالة الاستعداد الأمني وزيادة الدوريات حول المساجد والمؤسسات الإسلامية في الأحياء الخمسة للمدينة.
وكتبت شرطة نيويورك عبر حسابها الرسمي على منصة X:”نراقب عن كثب تقارير الهجوم المسلح في المركز الإسلامي بسان دييغو. ورغم عدم وجود أي صلة معروفة أو تهديدات محددة ومباشرة لدور العبادة في مدينة نيويورك في الوقت الحالي، فإننا، ومن باب الحيطة والحذر الشديد، قررنا زيادة انتشارنا الأمني وحراستنا للمساجد في جميع أنحاء المدينة”.
ويأتي هذا الحراك الأمني المكثف لشرطة نيويورك بعد أسابيع قليلة من اضطرابات واحتجاجات عنيفة شهدها محيط كنيس “بارك إيست” في مانهاتن، حيث اشتبك متظاهرون معارضون لإسرائيل مع الشرطة، مما دفع بالزعماء الدينيين والمسؤولين للمطالبة بحماية أقوى للمؤسسات الدينية في ظل مناخ عام مشحون بالتوترات والترهيب القائم على خلفيات دينية وعرقية.
وتواصلت وسائل إعلام أمريكية، من بينها “فوكس نيوز ديجيتال”، مع سلطات نيويورك لمعرفة ما إذا كانت التدابير الأمنية الجديدة ستشمل المعابد اليهودية أيضا بالنظر إلى الحوادث الأخيرة.
ترامب:”وضع مروع” ونتابع التفاصيل عن كثب
أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن أسفه الشديد إزاء الهجوم المسلح الدموي الذي استهدف المركز الإسلامي في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا، واصفا الحادث بأنه “وضع مروع”، ومؤكدا أن الإدارة الأمريكية تتابع التطورات الميدانية والتحقيقات الجارية عن كثب بالتنسيق مع السلطات المحلية.
وجاء تعليق الرئيس الأمريكي ردا على سؤال طرح عليه خلال مؤتمر صحافي عقد في البيت الأبيض، حيث قال ترامب:
“إنه وضع مروع. تبلغت بعض المعلومات الأولية بشأن ما حدث في كاليفورنيا، وسأطلع عن كثب على تفاصيل الوضع خلال الساعات المقبلة”.
تفتح مجزرة سان دييغو فصلا جديدا وقاتما من نقاشات السيطرة على السلاح، وتنامي خطابات التطرف أوساط المراهقين عبر الإنترنت، بينما تلتحف الجاليات المسلمة في أمريكا بالحزن والترقب عقب واحد من أعنف الهجمات التي استهدفت دور عبادتهم.










