قبل سنوات ليست ببعيدة، كان الوصول إلى كأس العالم حلماً بعيد المنال بالنسبة لعدد كبير من المنتخبات حول العالم، إذ ظل الحدث الكروي الأضخم حكراً على القوى التقليدية في أوروبا وأميركا الجنوبية، مع حضور محدود لبقية القارات، لكن قرار توسيع البطولة إلى 48 منتخباً في نسخة كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، أعاد تشكيل ملامح المنافسة بشكل جذري، وفتح الباب أمام منتخبات كانت تقف دائماً خارج دائرة التأهل.
النسخة المقبلة من بطولة كأس العالم 2026 ستشهد مشاركة أربع منتخبات لأول مرة في تاريخها، وهي كاب فيردي وكوراساو والأردن وأوزبكستان، في تحول تاريخي يعكس اتساع قاعدة المنافسة وتغير خريطة القوة في كرة القدم العالمية.
كاب فيردي تصنع التاريخ وتصعد إلى كأس العالم
في القارة الأفريقية، خطف منتخب كاب فيردي الأضواء بعدما نجح في حجز بطاقة التأهل إلى المونديال عقب تصدره مجموعته، متفوقاً على منتخبات صاحبة تاريخ طويل مثل الكاميرون. هذا الإنجاز لا يقتصر على الجانب الرياضي فقط، بل يحمل أيضاً دلالة رمزية كبيرة، إذ يمثل دولة صغيرة مكونة من أرخبيل يضم عشر جزر في غرب أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 525 ألف نسمة فقط، لتصبح ثالث أصغر دولة من حيث عدد السكان تصل إلى كأس العالم عبر التاريخ بعد آيسلندا في 2018 وكوراساو في نسخة 2026.
وجاء التأهل التاريخي لمنتخب كاب فيردي بعد فوز كبير بثلاثية نظيفة على إسواتيني في مباراة حاسمة أقيمت يوم 13 أكتوبر، ما أشعل احتفالات واسعة في العاصمة برايا، حيث خرجت الجماهير إلى الشوارع احتفالاً بإنجاز طال انتظاره لسنوات طويلة. ويعكس هذا الإنجاز تطوراً واضحاً في مستوى المنتخب الذي لم يعد مجرد مفاجأة عابرة، بل أصبح مشروعاً كروياً متكاملاً، بعدما سبق له الوصول إلى ربع نهائي كأس الأمم الأفريقية في نسختي 2013 و2023.
منتخب الأردن يشارك في كأس العالم 2026
أما على المستوى العربي، فقد نجح منتخب الأردن في كتابة واحدة من أبرز قصص النجاح في التصفيات، بعدما تمكن من حجز مقعده في كأس العالم للمرة الأولى في تاريخه، مستفيداً من جيل مميز فرض نفسه بقوة في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد الأداء اللافت في بطولة كأس آسيا 2023 التي وصل فيها إلى المباراة النهائية.
وجاء تأهل منتخب الأردن رسمياً في يونيو 2025 بعد فوز كبير على عُمان بثلاثية نظيفة، ليضمن الفريق المركز الثاني في مجموعته خلف كوريا الجنوبية، ويعد هذا الإنجاز لحظة تاريخية للكرة الأردنية، التي لطالما اقتربت من الحلم في مناسبات سابقة دون أن تتمكن من تحقيقه، قبل أن يأتي هذا الجيل ليكسر الحاجز أخيراً.
ويمثل منتخب الأردن، الواقع في منطقة الشرق الأوسط والمجاور لدول مثل سوريا والعراق والسعودية وفلسطين، حالة كروية خاصة تحمل طموحات جماهير اعتادت انتظار هذا الإنجاز لعقود طويلة. ويبرز في صفوفه عدد من اللاعبين الذين اكتسبوا خبرات أوروبية وآسيوية، يتقدمهم موسى التعمري المحترف في الدوري الفرنسي، إلى جانب يزن العرب الذي يشكل أحد أعمدة خط الدفاع.
منتخب كوراساو يصنع التاريخ
وفي منطقة الكونكاكاف، نجح منتخب كوراساو في صناعة التاريخ بتأهله إلى كأس العالم، ليصبح أصغر دولة من حيث عدد السكان تصل إلى النهائيات، إذ لا يتجاوز عدد سكانه 156 ألف نسمة فقط. ويأتي هذا الإنجاز في ظل اعتماد المنتخب على مزيج فني فريد يجمع بين اللاعبين المحليين وعدد كبير من المحترفين ذوي الأصول الهولندية، ما منح الفريق قوة إضافية على المستوى التنافسي.
وتعد كوراساو جزيرة كاريبية تتميز بتنوع ثقافي واضح، وقد استفادت من هذا التنوع في بناء منتخب تنافسي قادر على مقارعة منتخبات أكبر وأكثر خبرة. كما لعبت الخبرة التدريبية دوراً مهماً في هذا الإنجاز، خاصة في ظل قيادة المدرب المخضرم ديك أدفوكات، الذي كان سيصبح أكبر مدرب يقود منتخباً في تاريخ كأس العالم لولا رحيله عن المنصب لأسباب عائلية قبل البطولة.
أوزبكستان تسجل الظهور الأول في كأس العالم
أما منتخب أوزبكستان، فقد تمكن أخيراً من كسر عقدة تاريخية طويلة، ليصبح أول منتخب من منطقة آسيا الوسطى يتأهل إلى كأس العالم. وجاء هذا الإنجاز بعد مسيرة قوية في التصفيات، حافظ خلالها المنتخب على سجله خالياً من الهزائم في الدور الثاني، قبل أن يحسم التأهل بتعادل سلبي أمام منتخب الإمارات.
ويمثل هذا التأهل تتويجاً لسنوات من المحاولات القريبة التي انتهت بالإخفاق في اللحظات الحاسمة، مثل خسارته بركلات الترجيح أمام الأردن في تصفيات 2014، والخروج في ظروف تحكيمية مثيرة للجدل في تصفيات 2006. إلا أن النسخة الحالية كانت مختلفة تماماً، حيث نجح المنتخب في تجاوز العقدة التاريخية بفضل تطور مستوى اللاعبين واحتراف عدد كبير منهم في الدوريات الأوروبية.
ويخوض منتخب أوزبكستان هذه المرحلة التاريخية تحت قيادة المدرب الإيطالي فابيو كانافارو، إلى جانب بروز جيل جديد من اللاعبين الشباب الذين يمثلون نواة مستقبل واعد لكرة القدم في البلاد.
وفي المحصلة، لا تمثل هذه المنتخبات مجرد أرقام إضافية في قائمة المشاركين، بل تعكس تحولاً عميقاً في خريطة كرة القدم العالمية، حيث بات الطريق إلى كأس العالم أكثر انفتاحاً أمام دول جديدة قادرة على كتابة تاريخها ومنافسة الكبار على أكبر مسرح كروي في العالم.










