أثار البيان الأخير الصادر عن وزارة الدفاع الوطني التونسية عاصفة من الجدل والتباين في الشارع السياسي والرشيد، تزامنا مع تصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية وتحركات معارضة تقودها حركة النهضة بهدف إسقاط منظومة الرئيس قيس سعيد.
وجاء بيان المؤسسة العسكرية في توقيت بالغ الحساسية ليعيد رسم الخطوط الفاصلة بين العمل السياسي والعقيدة العسكرية، وسط حالة من الانسداد السياسي والأزمة الاقتصادية الحادة التي تعصف بالبلاد.
تأكيد على العقيدة الجمهورية والحياد
وأكدت وزارة الدفاع الوطني، في بلاغ رسمي أصدرته، على أن الجيش التونسي هو “جيش جمهوري قائم على الانضباط ويضطلع بواجب الدفاع عن الوطن واستقلاله ووحدة ترابه في التزام تام بالحياد واحترام لقوانين الدولة والتراتيب العسكرية”.
وأوضحت الوزارة أن هذا الموقف الحازم يأتي على خلفية “تواتر محاولات الزج بالمؤسسة العسكرية وبقياداتها في التجاذبات والمزايدات والتشكيك في حيادها واستقلاليتها”، مجددة التأكيد على التزام أفرادها بالروح الوطنية ونكران الذات خدمة لمصلحة الوطن العليا.
وجاء هذا التحرك الرسمي ردا مباشرا على تصريحات ومواقف أطلقها الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي، والذي دعا فيها صراحة القوات المسلحة إلى التمرد على سلطة الرئيس الحالي قيس سعيد.
ويذكر أن الدائرة الجنائية المختصة بقضايا الإرهاب بالمحكمة الابتدائية بتونس كانت قد أصدرت حكما غيابيا بالسجن لمدة 22 عاما مع النفاذ العاجل بحق المرزوقي بتهم تتعلق بأمن الدولة.
انقسام الشارع وقراءات متناقضة
وتاريخيا، يحافظ الجيش التونسي على صورة المؤسسة الجمهورية المحايدة بعيدا عن السلطة منذ أحداث عام 2011. إلا أن البيان الأخير فهم في الأوساط السياسية كدعم غير مباشر للرئيس قيس سعيد؛ كونه يغلق الباب نهائيا أمام أي محاولة للتمرد أو التدخل العسكري ضد السلطة القائمة، وهو ما اعتبرته المعارضة، وبخاصة حركة النهضة، محاولة لتطويق أي أمل في إحداث انشقاق داخل المؤسسة العسكرية.
ونتيجة لذلك، انقسم الشارع، حيث يرى مؤيدو سعيد في البيان صمام أمان لحماية الاستقرار، بينما تراه المعارضة تأكيدا على الانحياز الضمني وتكميما للأصوات المطالبة بالتغيير.
وفي المقابل، يطرح المشهد تساؤلات جدية حول تراجع قدرة الشارع المعارض على الحشد، فعلى رغم مساعي “حركة النهضة” تعبئة أنصارها لمواجهة السلطات، فإن فشلها بات يثير استفهامات حول أسباب تراجع شعبية الحزب الذي قاد المشهد السياسي منذ انتفاضة 14 يناير 2011.
ودخلت النهضة في مواجهة حادة مع سعيد منذ إطاحته بالبرلمان والحكومة عبر تفعيل المادة 80 من الدستور في 25 يوليو 2021. وتواجه قيادات بارزة من الحركة السجن، على غرار رئيسها راشد الغنوشي ونائبه علي العريض، في ملفات “التآمر على أمن الدولة” والتورط في تسفير الشباب لبؤر القتال.
وعلى رغم انضواء الحركة تحت “جبهة الخلاص الوطني” المعارضة، فإن الجبهة عجزت عن تحريك الشارع التونسي في مناسبات عدة، ليظل السؤال الكبير: هل ينجح حياد الجيش في نزع فتيل الانفجار، أم أن الانسداد الاقتصادي والسياسي سيتجاوز حدود البيانات الرسمية؟











