كشفت ورقة سياسات حديثة صدرت عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) عن واحدة من أوضح الخرائط التحليلية وأكثرها عمقا وتفصيلا بشأن التوسع المتنامي وتغلغل النفوذ الإماراتي في جمهورية الصومال.
وسلط التقرير الألماني الضوء على الكيفية التي نجحت بها الإمارات في ترسيخ أقدامها داخل دولة القرن الأفريقي عبر توظيف موانئ بحرية حيوية، وتشكيل قوات أمنية محلية، وبناء تحالفات إقليمية مباشرة، مدمجة الصومال ضمن إستراتيجية قارية أوسع وأكثر تعقيدا تتبناها الإدارة الإماراتية.
الموانئ والأمن: ساحل النفوذ الإماراتي
يتناول تقرير معهد الشؤون الدولية والأمنية الأنشطة الإستراتيجية لدولة الإمارات في عدة دول أفريقية رئيسية تشمل السودان، ليبيا، إثيوبيا، والصومال، موضحا كيف تتداخل الاستثمارات التجارية والشراكات الأمنية والعسكرية الوثيقة مع ديناميكيات الصراعات المحلية وهشاشة سلطة الدولة المركزية.
وفي الحالة الصومالية، تركزت نتائج التقرير بشكل مكثف على مركزين ساحليين إستراتيجيين يقعان على طول خليج عدن، الذي يعد أحد أكثر الممرات البحرية ازدحاما وحيوية لحركة التجارة والطاقة في العالم، وهما ميناء “بربرة” في إقليم أرض الصومال (صوماليلاند) الانفصالي غير المعترف به دوليا، وميناء “بوصاصو” في ولاية بونتلاند شبه المستقلة.
ووفقا للورقة الألمانية، فإن هذا التمدد الإماراتي على طول الساحل الشمالي للصومال يمس جوهر النزاع الدستوري والسياسي الطويل الأمد بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وقادة الأقاليم الصومالية حول هوية الجهة التي تمتلك السلطة الدستورية والشرعية لتوقيع الاتفاقيات والمعاهدات الأجنبية المتعلقة بالموانئ، البنية التحتية الإستراتيجية، والملفات الأمنية.
ولطالما حذر المسؤولون في مقديشو من أن هذه التحركات تتجاوز مفهوم الاستثمار التجاري لتتحول إلى مساس مباشر بالسيادة الوطنية ووحدة تراب البلاد.
تفكيك مراكز القوة: بربرة وبوصاصو
يحدد التقرير الألماني بوضوح كيف استغلت أبو ظبي الانقسامات الداخلية العميقة وغياب سلطة الحكومة الاتحادية في الأقاليم الشمالية لخلق فرص نفوذ مباشرة. وتبرز مدينة “بربرة” كأهم وأبرز رمز للوجود الإماراتي.
واستثمرت شركة “موانئ دبي العالمية” بكثافة لتحويل مينائها إلى مركز تجاري ضخم، مما يمنح الإمارات موقعا إستراتيجيا مشرفا بالقرب من مضيق باب المندب، بينما تستغل سلطات أرض الصومال هذا المشروع لتعزيز ادعاءاتها بالاستقلال الاقتصادي والسياسي والقدرة على توقيع اتفاقيات دولية بشكل منفصل عن مقديشو.
أما في ولاية بونتلاند، فإن ميناء “بوصاصو” يمنح الإمارات موطئ قدم ثان بالغ الأهمية من خلال امتياز طويل الأجل تديره شركة تابعة لـ”موانئ دبي العالمية”. ويرتبط هذا الوجود التجاري بدعم مالي وعسكري مباشر تقدمه أبو ظبي لـ”قوة شرطة بونتلاند البحرية” (PMPF)، وهي قوة أمنية ساهمت الإمارات في تأسيسها وتدريبها في ذروة أزمة القرصنة الصومالية، ويصنفها التقرير الألماني ضمن نمط إماراتي عام يقوم على دعم وتوجيه جهات أمنية وميليشيات محلية موازية داخل الدول الهشة، بعيدا عن أعين الحكومات المركزية.
الروابط الإقليمية الحساسة: صلة الوصل بحرب السودان
وفي القسم الأكثر حساسية وإثارة للجدل، يربط التقرير الألماني بين الساحل الشمالي للصومال والحرب الأهلية الدائرة في السودان، حيث تواجه الإمارات اتهامات دولية مستمرة بتقديم الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع شبه العسكرية.
وتشير ورقة السياسات إلى أن ميناء بوصاصو في بونتلاند لم يكن مجرد قاعدة لدعم القوة البحرية المحلية، بل تشير التقارير إلى كونه جزءا من شبكة أوسع لنقل وتحريك الأسلحة القادمة من اليمن والمرتزقة المرتبطين بالصراع السوداني.
كما أفاد التقرير بأن معدات عسكرية يزعم أنها كانت مخصصة لقوات الدعم السريع مرت عبر ميناء بربرة قبل أن يتم تغيير مسارها عبر قواعد عسكرية في إثيوبيا.
ورغم النفي الإماراتي القاطع والمستمر لتسليح قوات الدعم السريع، وتشديدها على أن دورها في السودان يقتصر على الجوانب الإنسانية والدبلوماسية، فإن التقرير الألماني يصر على تصوير تواجد أبو ظبي في أفريقيا كلاعب متورط بعمق في سياسات المحاور والصراع.
وتعد هذه الاستنتاجات شديدة الحساسية والخطورة بالنسبة للصومال، كونها تعني أن أراضيه وموانئه الإستراتيجية قد تكون استخدمت لتغذية وإشعال نيران حرب خارجية مدمرة.
خطوط الصدع الفيدرالية والنمط الأفريقي العام
يأتي صدور هذا التقرير في لحظة حرجة وصعبة للغاية تمر بها العلاقات الصومالية الإماراتية، ففي مطلع هذا العام، أعلنت الحكومة الفيدرالية في مقديشو رسميا إلغاء كافة الاتفاقيات الموقعة مع أبو ظبي، بما يشمل تفاهمات الموانئ والدفاع والأمن.
إلا أن هذا القرار جوبه برفض قاطع ومباشر من سلطات أرض الصومال، بونتلاند، وجوبالاند، والتي تعهدت بالتمسك بعلاقاتها المستقلة مع الإمارات، مما كشف عن عمق وحجم أزمة النظام الفيدرالي غير المحلولة في الصومال بشأن إدارة الأصول الإستراتيجية والسياسة الخارجية.
وفي قراءة شاملة، يخلص التقرير الألماني إلى أن إستراتيجية الإمارات في الصومال، وإن اختلفت عن أسلوبها في ليبيا أو السودان من حيث غياب الحرب الشاملة، إلا أنها تعتمد على مبدأ “الصراع الطويل الأمد” وتأمين الموانئ والممرات البحرية والنفوذ الإقليمي لمدى بعيد.
ويختم المعهد الألماني بتوجيه تحذير واضح من أن هذه السياسة القائمة على تجاوز الحكومات الشرعية وبناء شراكات مع أطراف محلية من شأنها أن تشجع القوى الانفصالية، وتعرقل جهود بناء الدولة الوطنية، وتعمق خطوط الصدع والانقسامات السياسية والأمنية في البلدان التي تعاني بطبيعتها من هشاشة واضحة في سلطتها المركزية.










