لندن – أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (UKMTO)، في بيان رسمي، عن وقوع حادث أمني جديد في المياه الإقليمية القريبة من جزيرة سقطرى اليمنية الاستراتيجية، في مؤشر واضح على استمرار تصاعد التوترات والمخاطر التي تهدد حركة الملاحة البحرية الدولية وناقلات الطاقة في منطقة خليج عدن والبحر العربي.
اقتراب مشبوه من ناقلة نفط
وأفادت الهيئة البحرية البريطانية، التي تشرف على أمن الممرات المائية، بأنها تلقت بلاغا عاجلا عن حادث أمني وقع على بعد نحو 200 ميل بحري (ما يعادل 370 كيلومترا) إلى الغرب من جزيرة سقطرى اليمنية.
ووفقا للتقرير الصادر عن الوكالة، فإن ناقلة تجارية مخصصة لنقل المنتجات البترولية والنفطية أبلغت عن قيام قارب صغير، على متنه خمسة أشخاص مجهولين، بالاقتراب منها بسرعة ومحاولة تتبع مسارها في عرض البحر بشكل مشبوه.
وأشار تقرير هيئة (UKMTO) إلى أن المركبة الصغيرة اقتربت بشكل خطير إلى مسافة تصل لنحو 100 متر فقط (ما يعادل 328 قدما) من ناقلة النفط، مما دفع الطاقم إلى إعلان حالة التأهب.
ولم يغير القارب المشبوه مساره ويبتعد عن السفينة إلا بعد أن قام فريق الأمن المسلح الخاص المتواجد على متن الناقلة بالانتشار على الأسطح وإظهار الجاهزية للردع، واتخاذ التدابير الدفاعية القياسية لمنع أي محاولة اعتداء أو قرصنة محتملة، ليغادر القارب المنطقة دون تسجيل أي أضرار أو إصابات بين أفراد الطاقم.
تكرار الحوادث الأمنية
وأكدت التقارير والبيانات البحرية الصادرة أن هذا الحادث ليس معزولا، بل يأتي بعد يوم واحد فقط من رصد وتسجيل حادثة أمنية مماثلة وقعت في المنطقة البحرية الواقعة إلى الشمال من جزيرة سقطرى.
هذا الأمر يثير مخاوف الجهات الدولية المعنية بالأمن البحري حول عودة نشاط القوارب المشبوهة ومجموعات القرصنة أو الفصائل المسلحة التي تحاول استغلال النزاعات الإقليمية لتهديد سلامة خطوط الإمداد العالمية وممرات الشحن الحيوية.
عودة “عاصمة القراصنة” وتشتت القوى الدولية
بعد سنوات من الهدوء النسبي بين عامي 2020 و2022، عادت القرصنة للظهور بقوة في المنطقة؛ حيث ارتفعت الهجمات من 6 هجمات في عام 2023 إلى 22 هجوما في عام 2024، مع استمرار هذا المنحنى التصاعدي خلال عام 2026. وتستغل هذه الجماعات انشغال واستهلاك القوى البحرية الدولية بالنزاع المباشر المستعر في البحر الأحمر ومحيطه بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وإيران وجماعة الحوثي من جهة أخرى.
ويرى الباحثان تيموثي ووكر وهالكانو واريو من معهد الدراسات الأمنية (ISS) أن “الثغرات في التغطية البحرية متعددة الجنسيات سمحت للقراصنة باستعادة أنفاسهم وإعادة تنظيم صفوفهم”.
وأشار الباحثان إلى أن جماعات القرصنة باتت تستخدم سفن صيد مختطفة كـ “سفن أم” لشن هجمات بعيدة في عرض البحر، كما حدث في الهجوم على ناقلة المواد الكيميائية “ستولت ساغالاند” على بعد 300 ميل بحري من الساحل، وكذا ناقلة النفط “هيلاس أفروديت” التي صعد القراصنة على متنها قبل أن تتدخل سفينة حربية تابعة للاتحاد الأوروبي لحمايتها.
أرقام وحقائق: اقتصاد الجريمة والتحالفات الانتهازية
بين عامي 2005 و2012، حققت جماعات القرصنة أرباحا هائلة تراوحت بين 339 و413 مليون دولار كفديات مالية.
اليوم، يعود هذا النشاط ليس فقط كدافع اقتصادي، بل كأداة تمويل رئيسية ومصدر دخل لحركة الشباب الصومالية.
ورغم التباين الأيديولوجي العميق بين حركة الشباب (السنية) وجماعة الحوثي المدعومة من إيران، إلا أن تقرير فريق الأمم المتحدة للدعم التحليلي ورصد العقوبات وصف العلاقة بين الطرفين بأنها “علاقة نفعية وانتهازية بامتياز”.
كشف التقرير الأممي عن عقد اجتماعين على الأقل في الصومال بين ممثلين عن الحوثيين وحركة الشباب في شهري يوليو وسبتمبر.
وخلال هذه اللقاءات، طلبت حركة الشباب أسلحة متطورة تشمل طائرات بدون طيار وصواريخ وتدريبات فنية، مقابل التزامها بتكثيف أنشطة القرصنة في خليج عدن لاستهداف سفن الشحن الدولية وتعطيل الملاحة، بما يخدم استراتيجية إيران في الضغط على القوى الدولية وتوسيع نفوذها وراء حدود الشرق الأوسط وصولا إلى القرن الأفريقي.
طرق التهريب والعمليات المشتركة عبر البحار
وفي إطار مكافحة هذه الشراكة العابرة للحدود، أحبطت قوات الأمن العام في إقليم بونتلاند عملية تهريب نوعية قبالة قرية “إيل” للصيد، حيث اعترضت قاربا يحمل مواد كيميائية ومكونات متطورة لتصنيع المتفجرات اليدوية (IEDs)، وألقت القبض على طاقم مكون من صوماليين ويمنيين.
هذه العملية ليست سوى غيض من فيض لشبكات التهريب المعقدة التي يديرها الحوثيون بالتنسيق مع الحرس الثوري الإيراني، والتي تستغل السواحل الصومالية المترامية والهشة لإيصال الأسلحة لحركة الشباب وتنظيم “ولاية الصومال” التابع لداعش.
وتوفر حركة الشباب في المقابل طرق تهريب آمنة وخدمات لوجستية وشبكات محلية داخل القارة، مما يساعد إيران وحلفاءها على بسط نفوذهم الجيوسياسي ومشاركة الأدوار في الممرات الحيوية الممتدة بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.










