سلطت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، في تحليل إستراتيجي موسع، الضوء على مرحلة جديدة من الصراع المعقد في السودان، مؤكدة أن الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ودولة الإمارات العربية المتحدة يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مباشرة أمام ما وصف بـ”التحالف المقدس” الآخذ في التبلور بين إيران وجماعة الإخوان المسلمين السنية العابرة للحدود، والتي تقاتل بضراوة إلى جانب الجيش السوداني.
الحرب الإقليمية تضع البرهان في مأزق الشراكة
وذكرت الصحيفة أنه عندما اجتاحت قوات الدعم السريع شبه العسكرية إقليم دارفور العام الماضي، وارتكبت مذابح عرقية مروعة أمكن توثيقها ورؤيتها عبر الأقمار الصناعية من الفضاء الخارجي، ركز الاهتمام العالمي حينها على فظائع الدعم السريع، مغفلا طبيعة الميليشيات الإسلامية الراديكالية التي تقاتل في الخطوط الأمامية إلى جانب القوات المسلحة السودانية.
أما الآن، فقد أعادت التوترات المستعرة والحرب غير المباشرة التي تخوضها أمريكا وإسرائيل مع إيران نفوذ المتشددين من بقايا النظام الإسلامي السابق وعناصر “المجاهدين” المتحالفين مع الجيش إلى دائرة الضوء الإستراتيجية.
ويمثل هذا التحول مأزقا وإحراجا سياسيا كبيرا للحاكم العسكري الفعلي للسودان، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، حيث أصبح القضاء على ما تبقى من النفوذ الإيراني، وقطع تدفقات السلاح المسير، ومنع تنظيم الإخوان المسلمين من إعادة فرض سيطرته على مقاليد الدولة، أولوية قصوى ومتزايدة لكل من واشنطن وتل أبيب وأبوظبي، لا سيما مع انشغال هذه الأطراف الثلاثة بملف أمن الملاحة الحرج في البحر الأحمر.
وعقد هذا الحظر الدولي المهمة التي يواجهها البرهان في الحفاظ على ولاء وتماسك طيف الإسلاميين الذين يعتمد عليهم كليا في ساحة المعركة، والذين أدوا دورا حاسما ومحوريا في استعادة السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم العام الماضي، بينما يسعى في الوقت نفسه وبصعوبة بالغة إلى نيل شرعية دولية واعتراف خارجي بنظامه.
وفي هذا السياق، يرى الخبير السوداني المخضرم في تسوية النزاعات، سليمان بلدو، أن البرهان “لم يبن بديلا سياسيا أو عسكريا عن هؤلاء الإسلاميين بعد؛ وهو يمارس أحيانا مسرحيات علنية لتطهير بعض الضباط، لكنه لا يستطيع واقعيا التخلص منهم في الميدان”.
مسيرات طهران وكتائب الإخوان في الميدان
وعادت إيران بقوة إلى المشهد السوداني عقب اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023، إذ سارعت لتزويد نظام القوات المسلحة السودانية بالذخائر النوعية وطائرات “مهاجر-6” الإستراتيجية المسيرة، لإنهاء قطيعة دبلوماسية استمرت ثماني سنوات كانت المملكة العربية السعودية قد تحولت خلالها إلى صاحب النفوذ الأبرز في البلاد.
وبينما يضم التحالف الموسع للجيش حاليا مجندين جددا ومتمردين سابقين من دارفور، اعتمد البرهان بشكل أساسي على الكتائب العقائدية الإسلامية لتعويض خسائره الأولية. وتبرز هنا “كتيبة البراء بن مالك” كواحدة من أقوى هذه التشكيلات العسكرية، وهي وحدة قتالية نخبوية مرتبطة تنظيميا بجماعة الإخوان المسلمين وجرى دمجها رسميا تحت مظلة الجيش، حيث شارك نحو 20 ألفا من مقاتليها الشرسين في عمليات استعادة الخرطوم.
وتؤكد وزارة الخزانة الأمريكية أن الحرس الثوري الإيراني أشرف مباشرة على تقديم التدريب والتسليح لكتيبة بن مالك، متهمة إياها بالعمل النشط على عرقلة كافة جهود وقف إطلاق النار الدبلوماسية.
وتعقيبا على هذا المشهد الضيق، كشف ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية السودانية أن “أي مناورة أو محاولة لتفكيك هذا التحالف من البرهان ستؤدي إلى رد فعل عكسي مدمر داخل المؤسسة العسكرية”، معتبرا أن الأمل الوحيد المتبقي للحفاظ على هيكل الدولة يكمن في بقاء هذه المجموعات موحدة تحت لواء القوات المسلحة.
العقوبات الأمريكية وازدواجية المعايير
ويعيش السودان حاليا أسوأ أزمة إنسانية ومجاعة في العالم بعد سنوات من الحرب الطاحنة التي انفجرت عقب انقلاب الحليفين السابقين (الجيش والدعم السريع) أحدهما على الآخر.
ولم تثمر جهود السلام التي قادتها واشنطن بمشاركة الرياض والقاهرة (الداعمتين للجيش) وأبوظبي (المتهمة برعاية الدعم السريع) سوى عن نتائج بروتوكولية محدودة.
ولأول مرة، كسرت واشنطن مبدأ المساواة في العقوبات بين طرفي النزاع؛ حيث صنفت جماعة الإخوان المسلمين السودانية كـ”منظمة إرهابية عالمية”، معتبرة أن الجماعة بدعم إيراني تعمل على إدامة أمد الحرب.
وجاء القرار بعد إعلان القائد الميداني عاصم عبد الله “عناقي” ولاءه لطهران، ورغم اعتقاله استرضاء للرياض، فرضت واشنطن عقوباتها الشاملة مدفوعة بتقارير استخباراتية أكدت فيها أبوظبي أن تغلغل الإسلاميين يهدد الاستقرار الإقليمي.
وتعود هذه التوترات إلى انقلاب عام 1989 الذي أوصل المستبد عمر البشير للسلطة بدعم إسلامي، مستضيفا أسامة بن لادن ومحشدا أعداء أمريكا وإسرائيل. ورغم محاولات النظام اللاحقة لتقديم تعاون استخباراتي مع واشنطن بعد هجمات 11 سبتمبر للتخلص من العقوبات، إلا أن الإطاحة بالبشير في 2019 كشفت عن جيش لا يزال “مسيسا” وخاضعا لهيمنة الضباط الإسلاميين.
حرب وجودية وخيارات مستحيلة
وأثار قرار تصنيف الإخوان جماعة إرهابية حيرة أوساط سودانية لعدم شمول القرار لقوات الدعم السريع المتهمة دوليا بالإبادة الجماعية. وتساءل أمجد فريد الطيب، مستشار العلاقات الخارجية للبرهان، عن القيمة الفعلية للتصنيف مستشهدا بعبارة شكسبير في مسرحية روميو وجولييت: “ماذا قال شكسبير عن الوردة لو حملت اسما آخر، ألن تفوح بالعطر نفسه؟”، مؤكدا أن المعركة بالنسبة للسودانيين هي معركة وجودية للدفاع عن الوطن ضد ميليشيا فاشية ترعاها أبوظبي، رافضا تصنيف الصراع كمعركة بين علمانية ودين، ومذكرا بأن قادة بارزين في الدعم السريع كـ”حسبو محمد عبد الرحمن” كانوا رموزا لنظام البشير الإسلامي، في حين تنفي الإمارات رسميا دعم أي طرف.
وبالنسبة للمواطنين العاديين، تبدو الخيارات مستحيلة بين معسكرين يعجزان عن الحسم العسكري؛ ففظائع الدعم السريع من قتل واغتصاب ممنهج تعزلها تماما عن أي دور مستقبلي، في حين يثير نفوذ رموز البشير مخاوف حقيقية من العودة لماض وحشي وسلطوي.
ويلخص رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك هذا المأزق الإنساني بالتساؤل: “هل نختار بين شر وشر آخر؟ هل نتسامح مع من يقطع الرؤوس أم من يحرق الناس لهويتهم؟”، ليؤكد الخبير بلدو في النهاية: “لا توجد خيارات سهلة.. إنها مفاضلة مريرة بين السيئ والأسوأ”.








