بين تفاؤل أميركي حذر وشروط إيرانية صارمة، تتقدم مفاوضات “مذكرة الـ14 بنداً” وسط خلافات عميقة حول الرقابة النووية، ورفع الحصار البحري، وترتيبات الأمن في مضيق هرمز.
واشنطن – المنشر الإخبارى
في تطور يعكس انتقال الأزمة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة أكثر حساسية، برزت “هدنة الـ60 يوماً” كإطار زمني غير معلن لإعادة ضبط مسار التفاوض حول إنهاء التوترات العسكرية في الخليج، وسط تباين واضح في أولويات الطرفين بشأن الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي.
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس قال في مقابلة مع شبكة NBC إن الإدارة الأميركية “متفائلة للغاية” بإمكانية التوصل إلى التزام إيراني بعدم تطوير سلاح نووي ضمن أي اتفاق نهائي، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الإعلان السياسي بل في “آليات التحقق والرقابة” التي تضمن الالتزام الفعلي على الأرض.
وأضاف فانس أن واشنطن تعتبر وجود نظام تفتيش صارم شرطاً أساسياً لأي تسوية محتملة، مشيراً إلى أن “الثقة وحدها لا تكفي في بيئة إقليمية معقدة بهذا الشكل”، في إشارة إلى استمرار الشكوك الأميركية بشأن أنشطة التخصيب الإيرانية وقدرتها التقنية.
عقدة الرقابة النووية
تصريحات نائب الرئيس الأميركي كشفت عن واحدة من أكثر النقاط تعقيداً في المفاوضات الجارية، إذ تصر واشنطن على ربط أي تهدئة أو اتفاق شامل بإقامة نظام رقابة دولي صارم على البرنامج النووي الإيراني، في حين ترى طهران أن هذه المسألة يجب أن تُعالج في مرحلة لاحقة ضمن مسار منفصل.
هذا التباين يعكس، بحسب دبلوماسيين مطلعين، جوهر الانقسام داخل “مسودة الـ14 بنداً” التي يتم تداولها كإطار أولي لإنهاء الحرب غير المباشرة في الخليج، حيث تتداخل الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية بشكل غير مسبوق.
الموقف الإيراني: فصل الملفات
في المقابل، تؤكد مصادر إيرانية أن طهران تتمسك بفصل الملف النووي عن الترتيبات الأمنية في مضيق هرمز، معتبرة أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تتركز على وقف التصعيد العسكري ورفع القيود المفروضة على الملاحة البحرية.
ونقلت وكالة “إيسنا” عن مسؤولين إيرانيين أن المقترح الإيراني يتضمن إعادة فتح الممرات البحرية تدريجياً، ورفع القيود الأميركية على حركة السفن، إلى جانب الإفراج عن أصول مالية مجمدة تقدر بنحو 24 مليار دولار، مع انسحاب القوات الأميركية من محيط إيران.
وبحسب نفس المصادر، فإن القضايا النووية ستُرحل إلى مرحلة تفاوض ثانية تمتد حتى 60 يوماً، بهدف بناء “ثقة تدريجية” بين الطرفين قبل الدخول في التزامات طويلة الأمد.
هرمز في قلب المعادلة
مضيق هرمز يظل النقطة الأكثر حساسية في هذه المعادلة المعقدة، إذ ترتبط به مباشرة حسابات الطاقة العالمية وأمن الإمدادات النفطية.
وتشير تقديرات دبلوماسية إلى أن أي اتفاق جزئي حول تخفيف القيود على الملاحة قد يشكل اختباراً أولياً لمدى قدرة الطرفين على الالتزام، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطر إعادة التصعيد في حال انهيار الثقة المتبادلة.
واشنطن بين التفاؤل والحذر
داخل الإدارة الأميركية، يبدو الخطاب الرسمي مزيجاً من التفاؤل السياسي والحذر الأمني. فبينما يتحدث مسؤولون عن إمكانية التوصل إلى “اتفاق مرحلي”، هناك إدراك متزايد بأن أي تسوية دون آليات تحقق صارمة قد تكون غير قابلة للاستدامة.
ويرى مراقبون أن إدارة ترامب تحاول تحقيق توازن دقيق بين الضغط الداخلي في الكونغرس، الذي يطالب بضمانات صارمة تجاه إيران، وبين الحاجة إلى تجنب تصعيد عسكري مفتوح في الخليج.
طهران والوقت التفاوضي
في المقابل، تتعامل طهران مع “هدنة الـ60 يوماً” باعتبارها فرصة لإعادة ترتيب أوراقها السياسية والاقتصادية، مع الإبقاء على هامش واسع للمناورة في الملفات الحساسة، وعلى رأسها البرنامج النووي وملف العقوبات.
ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية الإيرانية تهدف إلى تحويل المسار التفاوضي من “ضغط فوري” إلى “مسار تراكمي”، يمنحها وقتاً أطول لتثبيت مكاسبها الإقليمية.
اختبار الثقة الأكبر
رغم التصريحات الإيجابية من الجانبين، يبقى السؤال الجوهري قائماً: هل يمكن تحويل التفاؤل السياسي إلى اتفاق عملي قابل للتنفيذ خلال 60 يوماً فقط؟
مصادر دبلوماسية غربية ترى أن التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة البنود، بل في بناء آلية ثقة متبادلة في بيئة مشحونة عسكرياً وسياسياً، حيث لا تزال خطوط المواجهة مفتوحة في أكثر من ساحة.
بين واشنطن وطهران، تبدو “هدنة الـ60 يوماً” أقرب إلى اختبار دبلوماسي عالي الخطورة، حيث تتقاطع الملفات النووية مع أمن الطاقة ومعادلات النفوذ الإقليمي.
وإذا كان التفاؤل الأميركي يعكس رغبة في كسر الجمود، فإن شروط طهران الصارمة تشير إلى أن الطريق نحو اتفاق نهائي ما زال طويلاً ومعقداً، وربما أكثر هشاشة مما يبدو على الطاولة.










