تقرير لـ“ميدل إيست آي” يكشف محاولات أمريكية لإعادة صياغة المشهد الإقليمي عبر بوابة التطبيع لتغطية تنازلاته التفاوضية مع طهران
لندن – المنشر الإخبارى
في لحظة سياسية شديدة التعقيد تمتد من الخليج إلى البحر المتوسط، تتكشف ملامح ما يصفه محللون بـ“صفقة الشرق الأوسط الكبرى”، حيث تتقاطع ملفات الحرب في مضيق هرمز، والمفاوضات غير المعلنة مع إيران، ومسار “اتفاقيات أبراهام” في حزمة واحدة تبدو أقرب إلى إعادة هندسة شاملة لتوازنات المنطقة.
وبحسب تقرير تحليلي نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، فإن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسعى إلى استخدام ملف التطبيع العربي–الإسرائيلي كغطاء سياسي واسع، يهدف إلى امتصاص تداعيات التراجع الأمريكي في بعض مسارات الحرب، وتحديدًا الملف الإيراني المرتبط بالمواجهة البحرية في مضيق هرمز.
“التطبيع” كأداة تفاوض لا كهدف نهائي
التقرير يشير إلى أن إقحام ملف “اتفاقيات أبراهام” في مفاوضات إنهاء التوترات الإقليمية لم يعد مجرد امتداد دبلوماسي لمسار بدأ منذ 2020، بل تحول إلى أداة تفاوضية مباشرة تُستخدم في إعادة توزيع المكاسب والخسائر بين الأطراف الفاعلة.
مصادر دبلوماسية نقل عنها التقرير تؤكد أن واشنطن تطرح فكرة ربط أي تسوية أوسع مع إيران بملف التطبيع الإقليمي، بما يشمل دولًا رئيسية مثل السعودية وقطر، في محاولة لتقديم “حزمة شاملة” يمكن تسويقها سياسيًا داخل الولايات المتحدة بوصفها إنجازًا استراتيجيًا متعدد الطبقات.
وفي هذا السياق، قال المفاوض الأمريكي السابق في الشرق الأوسط، آرون ديفيد ميلر، إن ما يجري يعكس محاولة لإعادة إنتاج “صفقة كبرى” تمنح الإدارة الأمريكية مخرجًا سياسيًا من حرب معقدة النتائج.
وأوضح ميلر أن “الرهان على التطبيع كغطاء سياسي يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن نتائج الحرب الحالية لا يمكن تسويقها داخليًا دون إطار أوسع يعيد صياغة الانطباع العام عن المكاسب”.
طهران: المكاسب على الأرض تسبق الدبلوماسية
في المقابل، تشير معطيات دبلوماسية إلى أن إيران تتعامل مع المفاوضات من موقع قوة نسبية، مستندة إلى ما تعتبره تثبيتًا لنفوذها في مضيق هرمز، الذي أصبح خلال الأشهر الماضية محورًا رئيسيًا في إعادة تشكيل قواعد الاشتباك البحري في المنطقة.
وبحسب محللين، فإن طهران ربطت عمليًا بين التقدم في أي تفاهم سياسي وبين تخفيف القيود الاقتصادية والبحرية المفروضة عليها، وهو ما جعل ملف الممر الملاحي الحيوي ورقة تفاوض مركزية تتجاوز البعد الأمني إلى البعد الجيوسياسي والاقتصادي.
الخليج في قلب المعادلة الجديدة
التقرير يلفت إلى أن دول الخليج تجد نفسها في موقع حساس داخل هذه المعادلة، حيث تتحول إلى طرف غير مباشر في عملية تفاوضية تتجاوز حدودها التقليدية.
فبينما تتحدث واشنطن عن “صفقة شاملة”، يرى مسؤولون إقليميون أن إدراج ملفات الأمن البحري وإعادة الإعمار والتطبيع ضمن إطار واحد يفرض ضغوطًا متزايدة على العواصم الخليجية لإعادة تموضعها داخل خريطة التحالفات الجديدة.
وتشير تسريبات نقلها التقرير إلى أن بعض العواصم الخليجية باتت تفضل القنوات المالية الخاصة لتجنب التعقيدات المرتبطة بالرقابة الدولية، وهو ما يعكس، وفق محللين، تحولًا في بنية التمويل السياسي للمشروعات الإقليمية الكبرى.
نتنياهو واتفاقات ما بعد الحرب
على الجانب الإسرائيلي، يرى التقرير أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ينظر إلى مسار التطبيع كجزء من معادلة سياسية داخلية وخارجية في آن واحد، حيث يشكل استمرار توسيع “اتفاقيات أبراهام” عنصر دعم سياسي في ظل الضغوط الداخلية المرتبطة بإدارة الحرب.
لكن محللين يرون أن ربط مسار التطبيع بملفات إقليمية أخرى، وعلى رأسها إيران، قد يضع إسرائيل أمام معادلة تفاوضية أكثر تعقيدًا، خصوصًا إذا ارتبطت التفاهمات بتقييد العمليات العسكرية أو إعادة تعريف قواعد الاشتباك في جنوب لبنان وغزة.
واشنطن بين الداخل والخارج
في الولايات المتحدة، تبدو الإدارة الأمريكية أمام تحدٍ مزدوج: إدارة تفاهمات خارجية شديدة التعقيد، واحتواء الانقسام السياسي الداخلي حول جدوى هذه التفاهمات.
وبحسب التقرير، فإن أصواتًا داخل الكونغرس، خاصة من الجناح الجمهوري، تبدي تحفظًا على أي اتفاق يُنظر إليه باعتباره “تنازلًا استراتيجيًا” لإيران دون مكاسب واضحة ومباشرة.
وفي المقابل، يرى أنصار الإدارة أن توسيع إطار التفاوض ليشمل التطبيع الإقليمي قد يشكل فرصة لإعادة بناء شبكة تحالفات أمريكية في الشرق الأوسط، بعد سنوات من التوترات المتصاعدة.
“صفقة كبرى” أم إعادة إنتاج للأزمات؟
رغم الطابع الطموح لهذا التصور، يحذر محللون من أن دمج ملفات متباينة بهذا الشكل قد يؤدي إلى تعقيد مسارات الحل بدل تبسيطها، خصوصًا في ظل تداخل ملفات الأمن البحري، والبرنامج النووي الإيراني، والصراعات الإقليمية الممتدة من اليمن إلى سوريا.
ويشير هؤلاء إلى أن ما يُطرح اليوم قد لا يكون سوى إعادة تدوير لأدوات تفاوض قديمة، لكن ضمن سياق أكثر هشاشة وتشابكًا، حيث لم تعد الحدود بين الدبلوماسية والأمن والاقتصاد واضحة كما في السابق.
خاتمة: شرق أوسط على طاولة إعادة التشكيل
في المحصلة، يعكس المشهد الحالي حالة إعادة صياغة واسعة للسياسات الإقليمية، حيث تتحول الاتفاقيات الثنائية إلى جزء من “حزمة كبرى” تتداخل فيها الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
وبينما تسعى واشنطن إلى تسويق رؤية متكاملة تجمع التطبيع والاستقرار وإعادة الإعمار، تظل طهران لاعبًا رئيسيًا يربط أي تسوية بميزان القوة على الأرض، خصوصًا في المضايق البحرية التي باتت تمثل شريان الاقتصاد العالمي.
وفي هذا السياق، تبدو “صفقة الشرق الأوسط الكبرى” أقرب إلى مشروع قيد التشكل، لا إلى اتفاق مكتمل، مشروع قد يعيد رسم خرائط النفوذ، لكنه في الوقت نفسه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التوترات غير المحسومة في الإقليم.










