انفجار صراع داخلي في طهران بالتزامن مع مفاوضات “اتفاق الـ60 يوماً” مع واشنطن وسط اتهامات بالتخوين وتصعيد متشدد غير مسبوق
طهران – المنشر الإخبارى
تشهد إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية توتراً منذ سنوات، مع تصاعد حاد في الصراع الداخلي بين أجنحة الحكم، واتهامات خطيرة طالت وزير الخارجية عباس عراقجي، وصلت إلى حد الزعم بتسريب معلومات حساسة تتعلق بموقع المرشد الإيراني علي خامنئي لصالح القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” (CENTCOM)، قبل الغارات الجوية الإسرائيلية الأميركية التي استهدفت مواقع إيرانية في فترات سابقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، إذ تقترب المفاوضات غير المباشرة بين طهران وواشنطن من صياغة ما يُعرف إعلامياً بـ“اتفاق الـ60 يوماً”، والذي يهدف إلى احتواء التصعيد الإقليمي، وإعادة تنظيم ملف إيران النووي، وضمان استقرار الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات الاقتصادية.
وبحسب ما نقلته صحيفة “التلغراف” البريطانية، فإن التيار المتشدد داخل إيران صعّد هجماته ضد فريق التفاوض، ووجّه اتهامات مباشرة إلى وزير الخارجية عباس عراقجي بالتورط في “تسريبات أمنية خطيرة”، في واحدة من أخطر الحملات الداخلية التي تستهدف أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الإيرانية في المرحلة الحالية.
اتهامات خطيرة وتلويح بحرق الخارجية
وأفادت التقارير بأن شخصيات محسوبة على التيار المتشدد داخل إيران لم تكتفِ بالهجوم السياسي، بل ذهبت إلى التهديد المباشر، حيث لوّحت بإمكانية “حرق مقر وزارة الخارجية” وإشعال الشارع الإيراني، إذا ما تم التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة يُعتبر في نظرهم “استسلاماً سياسياً” أو تكراراً لتجربة الاتفاق النووي لعام 2015.
كما تضمنت التصريحات تهديدات صريحة بإسقاط حكومة الرئيس مسعود بزشكيان، في حال مضي فريقه التفاوضي في مسار التسوية الحالية مع واشنطن دون شروط صارمة يفرضها التيار المحافظ والمتشدد داخل النظام.
سنتكوم في قلب الاتهامات
وفي تطور لافت، ربطت بعض الأصوات المتشددة داخل إيران بين تحركات عراقجي الدبلوماسية وبين اتهامات مباشرة تتعلق بتسريب معلومات أمنية حساسة، من بينها ما قيل إنه “تسريب غير مباشر” لموقع المرشد الإيراني علي خامنئي قبل استهداف مواقع إيرانية في عمليات عسكرية سابقة نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل عبر تنسيق استخباراتي يُشار إليه باسم “سنتكوم”.
ورغم عدم وجود أدلة رسمية تدعم هذه الاتهامات، فإنها تعكس مستوى غير مسبوق من التصعيد السياسي الداخلي، حيث بات الصراع يتجاوز الخلافات التقليدية ليصل إلى اتهامات بالخيانة والتورط مع أطراف عسكرية أجنبية.
مفاوضات الدوحة واتفاق الـ60 يوماً
في المقابل، تتحرك الدبلوماسية الإيرانية بشكل مكثف في عدة عواصم إقليمية ودولية، في إطار جهود تهدف إلى صياغة اتفاق شامل مع الولايات المتحدة، يُعرف باسم “مذكرة الـ60 يوماً”.
وتشمل المسودة المتداولة، وفق تقارير إعلامية، ترتيبات تتعلق بتخفيف العقوبات، وتجميد أو إعادة هيكلة جزء من برنامج تخصيب اليورانيوم، إضافة إلى ضمانات تتعلق بأمن الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
كما تتضمن المباحثات ترتيبات معقدة حول مستقبل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، ودور الوسطاء الإقليميين مثل سلطنة عمان وقطر في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
تحركات دبلوماسية واسعة لعراقجي
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحركاته الدبلوماسية، حيث شملت جولات في مسقط وإسلام آباد وبكين وسان بطرسبورغ، في محاولة لبناء تفاهمات متعددة الأطراف تضمن قبول الاتفاق داخلياً وخارجياً.
وتشير مصادر سياسية إلى أن الهدف من هذه التحركات هو إيجاد صيغة توازن بين مطالب واشنطن الأمنية، وشروط الحرس الثوري الإيراني، والتحديات الداخلية المتزايدة داخل النظام السياسي الإيراني.
انقسام داخلي يهدد الاستقرار السياسي
ويرى محللون أن المشهد الإيراني الحالي يعكس انقساماً عميقاً داخل مؤسسات الدولة، بين ثلاثة تيارات رئيسية:
- تيار يرفض أي تفاوض مع الولايات المتحدة بشكل كامل
- تيار محافظ متشدد يربط أي اتفاق بشروط صارمة وضمانات سياسية
- تيار إصلاحي يدفع نحو تسوية اقتصادية ودبلوماسية لتخفيف العقوبات
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الانقسام قد يؤدي إلى تقويض قدرة الحكومة على إدارة الملف الخارجي، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية المتكررة.
سيناريوهات مفتوحة على التصعيد
ويشير مراقبون إلى أن إيران تقف حالياً أمام مرحلة سياسية حساسة للغاية، حيث تتداخل فيها ملفات الأمن القومي مع المفاوضات الدولية والصراع الداخلي على السلطة، ما يجعل أي خطوة سياسية أو دبلوماسية قابلة لإشعال أزمة داخلية أوسع.
كما يضيف محللون أن أي انهيار في مسار “اتفاق الـ60 يوماً” قد يعيد المنطقة إلى مربع التوتر العسكري، خصوصاً في ظل حساسية مضيق هرمز، والتشابك المباشر بين الملفات الإيرانية والأمن الإقليمي في الخليج.
بين اتهامات بالتسريب لصالح “سنتكوم”، وتهديدات بحرق مؤسسات الدولة، ومفاوضات دولية معقدة في الدوحة، تبدو إيران أمام واحدة من أكثر لحظات الضغط الداخلي والخارجي تعقيداً في تاريخها الحديث، وسط ترقب لما ستؤول إليه الأسابيع المقبلة من مسار سياسي قد يعيد رسم مستقبل المنطقة بالكامل.










