تقرير دولي صادم: قصف معهد باستور الإيراني وتدمير الجامعات يهددان الأمن الصحي في شرق المتوسط… و«ذا لانسيت» تصف الهجمات بأنها “جريمة حرب واضحة”
طهران – المنشر الإخباري
فجّرت مجلات طبية وعلمية دولية موجة جديدة من الجدل والاتهامات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد نشر تقارير وتحليلات أكاديمية وصفت الهجمات الأخيرة على المؤسسات العلمية والطبية الإيرانية بأنها “إبادة معرفية ممنهجة” تهدد الأمن الصحي في منطقة الشرق الأوسط بأكملها.
وحذرت دراسة جديدة نشرتها المجلة الدولية لسياسات وإدارة الصحة (IJHPM) من أن تدمير معهد باستور الإيراني خلال الضربات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة قد يؤدي إلى شلل واسع في قدرات الصحة العامة داخل منطقة شرق المتوسط، في ظل اعتماد عدد من الدول على خدمات المعهد في مجالات اللقاحات ومراقبة الأمراض والأبحاث الوبائية.
وشارك في إعداد الدراسة باحثون وخبراء من 16 مؤسسة أكاديمية وطبية عالمية موزعة على ثماني دول، من بينها جامعة تورنتو، وكلية الطب بجامعة ستانفورد، ومدرسة لندن للصحة والطب الاستوائي، وجامعة جنيف، وجامعة أوتاوا، والجامعة الأميركية في بيروت.
وأطلقت الدراسة مصطلح “Scholasticide” أو “إبادة المعرفة” لوصف ما قالت إنه “استهداف ممنهج للبنية التحتية العلمية والأكاديمية عبر الاغتيالات والقصف والتدمير المباشر للمؤسسات التعليمية والبحثية”.
استهداف الجامعات والمعاهد العلمية
وبحسب الدراسة، فإن الضربات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت منذ 28 فبراير 2026 أدت إلى تدمير أو إلحاق أضرار جسيمة بـ32 جامعة إيرانية، إضافة إلى مقتل ما لا يقل عن عشرة أساتذة جامعيين وستين طالباً.
كما تعرض معهد باستور الإيراني، الذي تأسس عام 1920 ويعمل كمركز متعاون مع منظمة الصحة العالمية، لأضرار كبيرة نتيجة الغارات الجوية.
ويُعتبر المعهد واحداً من أهم المؤسسات الصحية والعلمية في المنطقة، حيث لعب دوراً محورياً في تطوير اللقاحات ومراقبة الأمراض المعدية ومكافحة أوبئة مثل كورونا والكوليرا والحصبة والسل وداء الكلب والتهاب الكبد الفيروسي.
وأكد الباحثون أن تدمير هذا النوع من المؤسسات لا يعني فقط فقدان مبانٍ أو مختبرات، بل القضاء على شبكات علمية كاملة تشمل قواعد بيانات وأبحاثاً متراكمة وعينات مخبرية وأنظمة مراقبة صحية يصعب إعادة بنائها خلال سنوات طويلة.
وقالت الدراسة إن “تدمير معهد باستور الإيراني قد يعطل وظائف صحية أساسية في كامل منطقة شرق المتوسط، وليس داخل إيران فقط”.
“ذا لانسيت”: ما حدث جريمة حرب
وفي تصعيد غير مسبوق، وصفت مجلة “ذا لانسيت” الطبية البريطانية الشهيرة الهجمات التي استهدفت معهد باستور بأنها “مثال واضح على جريمة حرب”.
وأشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إلى تقرير المجلة، مؤكداً أن استهداف مؤسسة صحية وعلمية يتجاوز عمرها قرن كامل لا يمثل مجرد هجوم عسكري، بل اعتداءً مباشراً على “الحق في الصحة والمعرفة والحياة”.
وقالت “ذا لانسيت” إن الهجوم على معهد باستور لا يُعد “خسارة رمزية فقط”، بل يمثل “تهديداً مباشراً وفورياً للصحة العامة في المنطقة بأكملها”.
كما شددت المجلة على ضرورة “محاسبة ومعاقبة المسؤولين عن هذه الهجمات وفق القانون الدولي الإنساني”.
إيران تتحرك دولياً
وفي السياق ذاته، أعلن وزير العلوم الإيراني حسين سيمائي صراف أن طهران بدأت توثيق الأضرار التي لحقت بالجامعات والمؤسسات البحثية، تمهيداً للتحرك قانونياً عبر المؤسسات والمحاكم الدولية للمطالبة بالتعويضات.
وقال الوزير الإيراني إن جامعات بارزة مثل جامعة شريف للتكنولوجيا، وجامعة الشهيد بهشتي، وجامعة إيران للعلوم والتكنولوجيا، وجامعة أصفهان للتكنولوجيا تعرضت لهجمات مباشرة.
وأضاف أن أكثر من ثلاثين جامعة أخرى تضررت بشكل غير مباشر، إلى جانب تدمير عدد من مساكن الطلبة والمنشآت التعليمية.
ووصف الوزير الإيراني استهداف الجامعات بأنه “محاولة لإعادة إيران إلى العصر الحجري”، في إشارة مباشرة إلى تصريحات سابقة للرئيس الأميركي دونالد ترامب توعد فيها بـ”إعادة إيران إلى العصر الحجري” عبر ضرب بنيتها التحتية.
ضرب الهوية العلمية والثقافية
ولم تقتصر الأضرار على الجامعات فقط، إذ تحدثت تقارير إيرانية عن تضرر 56 موقعاً تراثياً و55 مكتبة منذ بداية الحرب.
ووصف وزير الثقافة الإيراني رضا صالحي أميري ما حدث بأنه “هجوم متعمد على الهوية الإيرانية والمعرفة والعقل”.
كما تعرض معهد أبحاث الليزر والبلازما في جامعة الشهيد بهشتي للقصف، وهو ما دفع الجامعة إلى إصدار بيان قالت فيه إن الهجوم يمثل “اعتداءً مباشراً على البحث العلمي وحرية الفكر”.
تحذير دولي
وفي ختام الدراسة، وجه الباحثون تحذيراً شديد اللهجة للمجتمع الدولي، مؤكدين أن الصمت تجاه استهداف المؤسسات العلمية والطبية سيؤدي إلى تقويض الحماية الدولية للتعليم والصحة والبحث العلمي خلال النزاعات المسلحة مستقبلاً.
وقالت الدراسة إن “حقوق الإنسان، بما في ذلك الحق في التعليم والصحة والعلم، ليست قابلة للتفاوض”، داعية إلى تحرك دولي عملي يتجاوز بيانات الإدانة التقليدية.











