البرهان يعلن حواراً سياسياً شاملاً.. و«الدعم السريع» يواصل الحشد العسكري استعداداً لتصعيد جديد في كردفان والنيل الأزرق
الخرطوم – المنشر الإخباري
أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي وقائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بمناسبة عيد الأضحى، بدء التحضيرات لإطلاق حوار سياسي شامل داخل السودان، في خطوة جديدة تهدف إلى فتح مسار سياسي لإنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وسط استمرار التصعيد الميداني وتحشيد القوات في عدد من الجبهات الساخنة.
وتأتي تصريحات البرهان في وقت تشهد فيه البلاد واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية والأمنية في تاريخها الحديث، بينما تتزايد المخاوف من اندلاع موجة جديدة من المعارك في إقليمي كردفان والنيل الأزرق، مع استمرار التحركات العسكرية لقوات الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وأكد البرهان، في خطاب رسمي بمناسبة عيد الأضحى، أن الحكومة السودانية “ستوفر كل ما يلزم لإنجاح الحوار السياسي”، مشدداً على أن الحوار يجب أن يتم داخل السودان، وليس عبر مؤتمرات تُعقد في العواصم الأجنبية.
وقال إن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على “حلول وطنية خالصة بعيداً عن الإملاءات الخارجية أو الطروحات الأيديولوجية”، مؤكداً التزام الحكومة بتنفيذ أي مخرجات يتم التوافق عليها خلال العملية السياسية المرتقبة.
وفي المقابل، ركز قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” في خطابه بمناسبة العيد على فكرة “إعادة تأسيس الدولة السودانية”، داعياً إلى بناء جيش جديد وهيكل سياسي مختلف يقوم على العدالة والمساواة، دون أن يقدم مبادرة واضحة لوقف إطلاق النار أو الدخول في مفاوضات مباشرة مع الجيش السوداني.
واعتبر مراقبون أن خطاب دقلو حمل طابعاً تعبوياً يهدف إلى تعزيز تماسك قواته واستمرار السيطرة على المناطق التي تنتشر فيها قوات الدعم السريع، خصوصاً في ظل الحديث عن استعدادات ميدانية لمعركة واسعة النطاق خلال الأسابيع المقبلة.
تحركات سياسية في نيروبي
وقبل حلول عيد الأضحى، اجتمعت القوى الموقعة على “إعلان المبادئ” في العاصمة الكينية نيروبي، حيث تم الاتفاق على خارطة طريق سياسية وإنسانية تتضمن ثلاث مراحل رئيسية تبدأ بالمسار الإنساني، ثم وقف إطلاق النار، وصولاً إلى العملية السياسية الشاملة.
وتضمنت الوثيقة عدداً من الإجراءات المقترحة لبناء الثقة بين الأطراف، أبرزها إطلاق سراح المعتقلين والأسرى، وفتح ممرات إنسانية آمنة، وضمان رقابة إقليمية ودولية على أي هدنة محتملة.
كما دعت الوثيقة إلى منح الأولوية لمعالجة الكارثة الإنسانية المتفاقمة في السودان، والتي دفعت ملايين المدنيين إلى النزوح داخل البلاد وخارجها.
وحددت خارطة الطريق ثلاثة أطراف رئيسية للمشاركة في العملية السياسية المقبلة، تشمل القوى المتحالفة مع الجيش السوداني، والقوى المتحالفة مع قوات الدعم السريع، إضافة إلى القوى المدنية الرافضة للحرب.
وفي المقابل، استبعدت الوثيقة بشكل صريح قيادات حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي عملية سياسية مستقبلية، معتبرة أن إعادة إنتاج النظام السابق تمثل تهديداً مباشراً لأي تسوية محتملة.
تصعيد عسكري يهدد فرص السلام
ورغم التحركات السياسية والحديث المتكرر عن الحوار، تشير المعطيات الميدانية إلى استمرار الاستعدادات العسكرية على الأرض.
وتحدثت تقارير محلية عن حشود عسكرية متزايدة في ولايات كردفان والنيل الأزرق، حيث تعمل الأطراف المتحاربة على إعادة تمركز قواتها استعداداً لمعارك جديدة قد تكون من الأعنف منذ بداية الحرب.
كما انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي تسجيلات مصورة تظهر آليات ومدرعات حديثة تابعة لقوات الدعم السريع، وسط معلومات عن وصول تعزيزات عسكرية جديدة إلى مناطق القتال.
ويرى محللون أن استمرار التحشيد العسكري يعكس غياب الثقة بين الأطراف، ويؤكد أن الحل السياسي لا يزال يواجه تحديات كبيرة رغم الضغوط الإقليمية والدولية المتزايدة.
أزمة إنسانية تتفاقم
وفي ظل استمرار الحرب، يعيش السودان أزمة إنسانية غير مسبوقة، مع تدهور الخدمات الأساسية وانهيار قطاعات الصحة والكهرباء والمياه في عدد كبير من المدن.
وتشير تقديرات منظمات دولية إلى أن ملايين السودانيين باتوا يواجهون خطر المجاعة وانعدام الأمن الغذائي، بينما تجاوز عدد النازحين واللاجئين ملايين الأشخاص منذ اندلاع الحرب.
كما حذرت منظمات الإغاثة من أن استمرار القتال سيؤدي إلى تفاقم الكارثة الإنسانية، خاصة في المناطق التي تشهد مواجهات مستمرة أو حصاراً عسكرياً.
أمل ضعيف في التهدئة
ورغم المشهد المعقد، لا تزال قطاعات واسعة من السودانيين تتمسك بأمل التوصل إلى تسوية توقف الحرب وتنهي حالة الانهيار التي تعيشها البلاد.
ويؤكد مراقبون أن أي تقدم حقيقي نحو السلام سيتطلب توافقاً داخلياً واسعاً، وضمانات إقليمية ودولية قوية، إضافة إلى وقف فعلي لإطلاق النار على الأرض.
لكن في المقابل، فإن استمرار لغة التصعيد والتحركات العسكرية يجعل احتمالات الانفجار العسكري قائمة بقوة، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات واضحة على قرب اتفاق شامل بين الأطراف المتحاربة.











