جوبا – في خطوة أثارت عاصفة من الجدل الشعبي والسياسي، شرع أعضاء البرلمان القومي في جنوب السودان في استلام مخصصات مالية بقيمة خمسة آلاف دولار أمريكي لكل نائب، تحت بند “بدل العلاج الطبي”.
يأتي هذا الصرف في توقيت يعيش فيه جنوب السودان أزمة اقتصادية خانقة، تتسم بتدهور حاد في الخدمات الصحية الأساسية، وتأخر مزمن في صرف رواتب موظفي الدولة والقوات النظامية، مما عمق الهوة بين الطبقة السياسية والمواطنين.
مبررات برلمانية ومطالب بالامتيازات
وفقاً لمصادر برلمانية مطلعة، بدأ بالفعل عدد من النواب تسلم هذه المبالغ، بينما ينتظر آخرون استكمال إجراءات الصرف عقب عطلة عيد الأضحى نتيجة للإغلاق المؤقت لبعض البنوك.
ودافعت مصادر داخل البرلمان عن هذا الإجراء، مشيرة إلى أنه يهدف إلى تمكين النواب من تغطية تكاليف الرعاية الصحية، لا سيما بعد تسجيل حالات وفاة متكررة بين أعضاء المجلس خلال السنوات الماضية نتيجة الأمراض وضعف الإمكانات الطبية المتاحة داخل البلاد.
وفي هذا السياق، أكد نواب ينتمون للحركة الشعبية لتحرير السودان وبعض أحزاب المعارضة أن هذه المخصصات ضرورة ملحة.
بل إن بعضهم ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن مبلغ خمسة آلاف دولار، رغم كونه رقماً كبيراً مقارنة بمتوسط دخل الفرد، لا يغطي في الواقع تكاليف العلاج والسفر إلى الخارج، نظراً للارتفاع الفاحش في أسعار الخدمات الطبية الدولية وتدهور قيمة العملة المحلية أمام الدولار.
سخط شعبي ودعوات للشفافية
في المقابل، قوبل القرار بانتقادات لاذعة من قبل المواطنين والنشطاء الحقوقيين. وتساءل الكثيرون عبر منصات التواصل الاجتماعي عن المنطق الذي يبرر تخصيص مبالغ ضخمة لنخبة من المسؤولين، بينما يعاني المواطن العادي من انعدام الدواء وأبسط مقومات الحياة.
وقد تصاعدت الأصوات المطالبة بإعطاء الأولوية القصوى لمعالجة أزمة الرواتب المتأخرة للموظفين الحكوميين والقوات النظامية، التي تعد العمود الفقري لاستقرار البلاد.
وحذر ناشطون مدنيون من أن الاستمرار في سياسة “الامتيازات الرسمية” في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة قد يفاقم حالة السخط العام، مما يهدد الاستقرار الأمني والاجتماعي.
ويرى مراقبون أن هذا الجدل يعكس الفجوة الكبيرة بين مؤسسات الحكم والمواطنين، حيث يُنظر إلى هذه المخصصات كدليل على غياب الشفافية والعدالة في توزيع الموارد العامة، خاصة في بلد يفتقر إلى أبسط البنى التحتية الصحية.
فجوة الثقة والأزمات المتراكمة
يواجه جنوب السودان اليوم تحديات اقتصادية متراكمة تتجاوز مجرد تأخر الرواتب، لتشمل تراجعاً حاداً في القدرة الشرائية وتدهوراً في البنية الخدمية.
إن تخصيص مبالغ بالعملة الصعبة للبرلمانيين في وقت يحتاج فيه غالبية السكان إلى دعم للبقاء على قيد الحياة، وضع الحكومة تحت مجهر الرأي العام. وتتزايد المطالب اليوم بضرورة ربط أي امتيازات رسمية بالوضع الاقتصادي العام، وإدارة الموارد الوطنية بمسؤولية تتناسب مع معاناة المواطنين، بدلاً من تكريس نظام يمنح الرفاهية للأقلية بينما يعاني الشعب من وطأة الأزمات اليومية المتفاقمة.










