أبوظبي – المنشر الإخباري
أعاد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، أنور قرقاش، تسليط الضوء على واحدة من أبرز المحطات المفصلية في الحرب اليمنية، وذلك عقب الإعلان عن وفاة الرئيس اليمني السابق عبدربه منصور هادي، مستذكراً تفاصيل اللقاء الأول الذي جمعه بالرئيس الراحل في العاصمة السعودية الرياض، واللحظة التي أُبلغ فيها بخطة تحرير مدينة عدن من قبضة جماعة الحوثي.
وجاءت تصريحات قرقاش في تدوينة نشرها عبر منصة “إكس”، عبّر فيها عن حزنه لرحيل هادي، مستعيداً ذكرى مهمة قال إنها لا تزال عالقة في ذهنه رغم مرور السنوات. وأوضح أن رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان كلفه في ذلك الوقت بإبلاغ الرئيس اليمني بخطة تحرير عدن التي أعدها عسكريون إماراتيون ضمن الجهود الرامية لدعم الحكومة اليمنية الشرعية واستعادة المناطق التي سيطرت عليها جماعة الحوثي.
وقال قرقاش في تدوينته: “رحم الله الرئيس عبدربه منصور هادي وغفر له. أتذكر زيارتي الأولى له في الرياض، والمهمة التي كلفني بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله، لإبلاغه بخطة تحرير عدن. ولا أنسى بريق التفاؤل في عينيه وهو يستمع إلى التفاصيل التي شرحها العسكريون الإماراتيون”. وأضاف: “رحمه الله بواسع رحمته، وأنعم على اليمن بالأمن والاستقرار والسلام بعد سنوات طويلة من المعاناة”.
وقد أثارت كلمات قرقاش اهتماماً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية اليمنية والعربية، باعتبارها شهادة مباشرة على مرحلة حساسة من تاريخ اليمن الحديث، وتكشف جانباً من الكواليس التي سبقت واحدة من أهم العمليات العسكرية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
عدن.. نقطة التحول في الحرب اليمنية
تُعد عملية تحرير عدن في عام 2015 من أبرز المحطات العسكرية والسياسية في الحرب اليمنية. فبعد أشهر من التقدم السريع الذي حققته جماعة الحوثي وسيطرتها على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات، أصبحت مدينة عدن هدفاً رئيسياً للقوات الحوثية التي سعت إلى فرض سيطرتها على كامل الأراضي اليمنية.
في تلك الفترة، كانت الحكومة الشرعية بقيادة الرئيس عبدربه منصور هادي تواجه تحديات غير مسبوقة، بعدما اضطرت إلى مغادرة العاصمة صنعاء في ظل تصاعد نفوذ الحوثيين وتدهور الوضع الأمني. ومع انتقال هادي إلى عدن وإعلانها عاصمة مؤقتة للبلاد، أصبحت المدينة محوراً للصراع بين الحكومة الشرعية والحوثيين.
وشكلت عملية تحرير عدن لاحقاً نقطة تحول مهمة في مسار الحرب، إذ نجحت القوات الحكومية المدعومة من التحالف العربي في استعادة السيطرة على المدينة وطرد الحوثيين منها، الأمر الذي أتاح للحكومة الشرعية إعادة ترتيب مؤسساتها واستئناف عملها من العاصمة المؤقتة.
ويرى مراقبون أن نجاح تلك العملية أسهم في تغيير موازين القوى على الأرض، ومنح الحكومة الشرعية فرصة لاستعادة عدد من المناطق الأخرى خلال السنوات التالية.
رد فعل هادي.. التفاؤل وسط الأزمة
بحسب ما رواه قرقاش، فإن الرئيس الراحل عبدربه منصور هادي أظهر قدراً كبيراً من التفاؤل أثناء اطلاعه على تفاصيل الخطة العسكرية لتحرير عدن. ويعكس هذا الوصف حجم الآمال التي كانت معلقة على العملية في ذلك الوقت، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي كانت تمر بها الحكومة اليمنية.
وكانت المرحلة التي سبقت تحرير عدن من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ اليمن الحديث، حيث واجهت الدولة خطر الانهيار الكامل، بينما كانت المعارك تتوسع في عدة جبهات، وسط أزمة إنسانية وأمنية متفاقمة.
ويشير حديث قرقاش إلى أن القيادة اليمنية كانت تنظر إلى استعادة عدن باعتبارها خطوة حاسمة لإنقاذ مؤسسات الدولة وإعادة بناء السلطة الشرعية، وهو ما يفسر حالة التفاؤل التي لاحظها لدى الرئيس الراحل خلال ذلك اللقاء.
مسيرة سياسية وعسكرية طويلة
ويُعد عبدربه منصور هادي أحد أبرز الشخصيات السياسية والعسكرية في اليمن خلال العقود الماضية. فقد وُلد في محافظة أبين عام 1945، وبدأ حياته المهنية في المؤسسة العسكرية، حيث تلقى تدريبات ودراسات عسكرية متقدمة في عدد من الأكاديميات العربية والدولية.
تدرج هادي في المناصب العسكرية حتى أصبح من القيادات البارزة في الجيش اليمني، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي ويتولى عدداً من المناصب المهمة في الدولة. وبعد حرب عام 1994، شغل منصب نائب رئيس الجمهورية إلى جانب الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، واستمر في هذا المنصب لسنوات طويلة.
وفي أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي شهدها اليمن عام 2011، تولى هادي رئاسة الجمهورية في إطار المبادرة الخليجية التي هدفت إلى نقل السلطة بشكل سلمي وقيادة مرحلة انتقالية جديدة.
تحديات حكم هادي
واجه الرئيس الراحل خلال فترة حكمه سلسلة من التحديات السياسية والأمنية المعقدة، أبرزها الانقسامات الداخلية، والأزمة الاقتصادية، وتصاعد نفوذ جماعة الحوثي. ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء في سبتمبر 2014، دخلت البلاد مرحلة جديدة من الصراع المسلح الذي تحول لاحقاً إلى حرب واسعة النطاق.
وخلال السنوات اللاحقة، أصبح هادي رمزاً للشرعية اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت كانت فيه البلاد تعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما ارتبط اسمه بالجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإيجاد تسوية سياسية شاملة.
ورغم الانتقادات التي واجهتها حكومته خلال سنوات الحرب، فإن أنصاره يرون أنه تحمل مسؤولية قيادة البلاد في ظروف استثنائية ومعقدة، بينما يعتبره خصومه جزءاً من المشهد السياسي الذي عجز عن منع انهيار الدولة ودخول اليمن في دوامة الصراع.
نقل السلطة وإنهاء المرحلة الرئاسية
في أبريل 2022 أعلن عبدربه منصور هادي نقل صلاحياته الرئاسية إلى مجلس القيادة الرئاسي، في خطوة وصفت حينها بأنها محاولة لإعادة هيكلة السلطة الشرعية وتوحيد الجهود السياسية والعسكرية في مواجهة التحديات القائمة.
وشكل القرار محطة مفصلية في مسار الأزمة اليمنية، إذ أنهى عقداً كاملاً من تولي هادي رئاسة البلاد، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقودها هيئة جماعية تضم عدداً من الشخصيات السياسية والعسكرية اليمنية.
رحيل هادي وردود الفعل
أثار نبأ وفاة الرئيس اليمني السابق موجة واسعة من ردود الفعل داخل اليمن وخارجه، حيث نعته الرئاسة اليمنية وعدد من القادة والمسؤولين العرب، مشيدين بدوره في الحياة السياسية اليمنية وبالمسؤوليات التي تحملها خلال سنوات الحرب.
كما أعادت وفاته إلى الواجهة العديد من المحطات المرتبطة بمسيرته السياسية والعسكرية، ومن بينها عملية تحرير عدن التي استحضرها أنور قرقاش في تدوينته، باعتبارها واحدة من أبرز الأحداث التي شكلت مسار الحرب اليمنية خلال العقد الماضي.
ومع رحيل عبدربه منصور هادي، يطوي اليمن صفحة شخصية لعبت دوراً محورياً في واحدة من أكثر المراحل حساسية وتعقيداً في تاريخه الحديث، فيما تبقى ذكريات تلك المرحلة حاضرة في شهادات المسؤولين والفاعلين الذين شاركوا في أحداثها، ومن بينهم أنور قرقاش الذي اختار أن يستذكر لحظة وصفها بأنها لا تُنسى، حين رأى في عيني الرئيس اليمني الراحل أملاً كبيراً باستعادة عدن وعودة الدولة إلى مسارها الطبيعي.










