اتخذت وزارة التجارة الأمريكية إجراءات حاسمة ومباغتة لسد ثغرة تنظيمية وقانونية محتملة كانت قد رصدتها منذ عام كامل؛ حيث سمحت هذه الثغرة لشركات كبرى بتصدير الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات الأكثر تقدماً وتطوراً في العالم إلى كيانات وفروع تابعة لشركات صينية تقع جغرافياً خارج حدود الصين.
وتشير التوجيهات الرسمية غير المتوقعة، والتي نُشرت على الموقع الإلكتروني للوزارة، إلى أن أفضل رقائق الذكاء الاصطناعي الأمريكية ربما كان يجري شحنها وتصديرها بشكل مستمر إلى فروع تابعة لشركات تقنية صينية في دول آسيوية مثل ماليزيا وغيرها منذ ما يقرب من عام، على الرغم من الجهود والقيود الواسعة التي تفرضها واشنطن لحرمان بكين من الحصول على أشباه الموصلات اللازمة لتطوير قدراتها العسكرية والتكنولوجية الحيوية.
مئات الآلاف من المعالجات المتطورة خارج السيطرة
ولم يتضح بدقة حتى الآن حجم وعدد الرقائق الفائقة التي جرى تصديرها بالفعل خلال العام الماضي، وهي الفترة التي تركت فيها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا الباب التنظيمي مفتوحاً دون قيود مشددة.
ومع ذلك، نقلت وكالة رويترز عن مصدر بارز في قطاع الرقائق الإلكترونية، على دراية وثيقة بكواليس سلاسل التوريد العالمية، قوله إن عدد المعالجات المتطورة التي تسربت عبر هذه الثغرة يصل إلى مئات الآلاف من الوحدات.
وشملت هذه الإمدادات معالجات من الجيل الجديد شديد التطور، مثل معالجات “روبين” (Rubin) وبلاكويل (Blackwell) الفائقة من إنتاج شركة “إنفيديا” (Nvidia)، بالإضافة إلى معالجات “إم.آي350 إكس” (MI350X) المتطورة من شركة “إيه. إم. دي” (AMD).
وفي إطار هذه التوجيهات الصارمة، أكدت وزارة التجارة أنها ستفرض فوراً متطلبات تراخيص مسبقة ومعقدة على تصدير الرقائق المتطورة لأي كيان يقع مقره الرئيسي داخل الصين، حتى لو كان هذا الكيان يمارس نشاطه من خلال فروع رسمية خارج الأراضي الصينية.
وفي المقابل، آثرت وزارة التجارة وشركتا “إنفيديا” و”AMD” الصمت مؤقتاً، ممتنعين عن التعليق الفوري على هذه التطورات.
خلفية الأزمة والاعتراف بالخطأ التنظيمي
وتعود جذور الأزمة إلى مايو من عام 2025، عندما اكتشفت وزارة التجارة الأمريكية هذه الثغرة الكبرى إبان إعلانها عدم تطبيق قاعدة انتشار الذكاء الاصطناعي التي كانت قد صِيغت في الأيام الأخيرة لإدارة الرئيس السابق جو بايدن لتنظيم الوصول العالمي للرقائق.
وعلق كريس ماكغواير، خبير التكنولوجيا والمسؤول السابق في وزارة الخارجية الأمريكية، عبر منصات التواصل الاجتماعي واصفاً الأمر بأنه “مشكلة ضخمة للغاية وحرجة”.
وأوضح ماكغواير أن تلك الثغرة سمحت علانية للفروع الخارجية للشركات الصينية بشراء رقائق “إنفيديا بلاكويل” بكميات ضخمة دون الحاجة لاستصدار أي تراخيص أمنية أو تجارية من واشنطن. ورغم صرامة القيود الجديدة، أوضحت الوزارة أن التوجيهات الحالية لا تطلب من مراكز البيانات الدولية التوقف الفوري عن استخدام الرقائق التي تمتلكها بالفعل، أو قطع خدمات الخوادم وعناصر الحوسبة المتقدمة المتاحة حالياً في السوق.
الصراع التجاري مع هواوي والمستقبل التقني لبكين
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه شركة “إنفيديا” جاهدة استعادة موطئ قدم لها في السوق الصينية الضخمة؛ حيث كانت الشركة تحقق سابقاً مبيعات بمليارات الدولارات هناك قبل أن تعصف التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وبكين بهذا النشاط التجاري الرابح وتدفعه نحو التوقف شبه الكامل.
وكان جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، قد صرح بمرارة في وقت سابق بأن شركته “تخلت إلى حد كبير” عن سوق رقائق الذكاء الاصطناعي في الصين لصالح الغريم المحلي الشرس، شركة “هواوي” (Huawei).
وفي المقابل، أبدت بكين تحدياً واضحاً؛ حيث أعلنت شركة “هواوي تكنولوجيز” الصينية العملاقة عن عزمها الأكيد إنتاج رقائق أشباه موصلات رائدة ومنافسة باستخدام تقنيات محتكرة وجديدة كلياً خلال السنوات الخمس المقبلة. وتأتي خطوة هواوي الطموحة لتسلط الضوء على الجهود القومية المكثفة التي تبذلها الحكومة الصينية للحد من تأثير العقوبات الأمريكية المتلاحقة، والتي تهدف بالأساس إلى عرقلة وشل قدراتها المحلية على إنتاج التكنولوجيا فائقة التطور.











