خطوة جديدة في مسار تفكيك ارتباط الفصائل المسلحة وإعادة دمجها بالمؤسسات الرسمية وسط انقسام بين القوى الشيعية المسلحة
بغداد – المنشر الإخبارى
في تطور لافت على الساحة الأمنية العراقية، أعلنت السلطات العراقية تسلم مقرات قوات “سرايا السلام” في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين، في خطوة تعد من أبرز التحركات العملية ضمن مشروع حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم العلاقة بين الفصائل المسلحة والمؤسسات الأمنية الرسمية.
وأكد نائب قائد العمليات المشتركة العراقي الفريق أول الركن قيس المحمداوي، خلال مراسم تسليم المقرات في سامراء، أن عملية التسليم تأتي في إطار خطة حكومية متكاملة تهدف إلى إعادة هيكلة الفصائل المسلحة ودمجها ضمن المنظومة الأمنية الرسمية، بما يضمن خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلطة الدولة والقائد العام للقوات المسلحة.
وأوضح المحمداوي أن هناك لجنة مشتركة تعمل حاليًا على وضع الآليات التنفيذية لفك الارتباط بين بعض التشكيلات المسلحة وهيئة الحشد الشعبي، مشيرًا إلى أن الهدف النهائي يتمثل في حصر السلاح بيد الدولة وإعادة تنظيم هذه القوات ضمن المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية.
وقال إن المرحلة الحالية تتضمن إعادة اندماج عناصر “سرايا السلام” ووضع آليات واضحة لتسليم الأسلحة والمعدات وإعادة تنظيم الأفراد ضمن أطر الدولة، لافتًا إلى أن هذه التشكيلات ستكون مرتبطة بشكل مباشر بالقائد العام للقوات المسلحة بعد استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي تمثلها “سرايا السلام” في المشهد العراقي، باعتبارها إحدى أبرز الفصائل المرتبطة بالتيار الصدري بزعامة رجل الدين العراقي مقتدى الصدر، والذي سبق أن دعا في أكثر من مناسبة إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.
ووصف المحمداوي قرار الصدر بأنه “خطوة مباركة” من شأنها المساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار الداخلي، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة، والتطورات الإقليمية المتسارعة التي تفرض على العراق إعادة ترتيب أولوياته الأمنية.
ولم تقتصر التطورات الأخيرة على “سرايا السلام” فقط، إذ أعلنت فصائل أخرى بارزة، من بينها “عصائب أهل الحق” بزعامة قيس الخزعلي و”كتائب الإمام علي” بقيادة شبل الزيدي، استعدادها للتخلي عن السلاح وفك ارتباطها بتشكيلات الحشد الشعبي والانضمام إلى القوات المسلحة العراقية.
ويرى مراقبون أن انضمام هذه الفصائل إلى مسار إعادة الهيكلة يمثل تحولًا مهمًا في المشهد الأمني العراقي، خاصة أن تلك التشكيلات لعبت أدوارًا مؤثرة خلال السنوات الماضية في الحرب ضد تنظيم داعش وفي الملفات الأمنية الداخلية.
ومع ذلك، لا يزال مشروع حصر السلاح بيد الدولة يواجه تحديات معقدة، في ظل رفض عدد من الفصائل المسلحة الانضمام إلى هذه الترتيبات الجديدة. ومن أبرز هذه الفصائل حركة النجباء وكتائب سيد الشهداء وكتائب حزب الله العراقي وفصيل أولياء الدم، التي أعلنت تمسكها بسلاحها ورفضها الاندماج ضمن القوات الأمنية الرسمية في المرحلة الحالية.
ويعكس هذا الانقسام وجود تباين واضح داخل الفصائل الشيعية المسلحة بشأن مستقبل السلاح ودور تلك التشكيلات في المرحلة المقبلة، بين من يرى ضرورة الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، ومن يعتبر أن الاحتفاظ بالسلاح ما زال ضرورة مرتبطة بالظروف الأمنية والإقليمية.
ويأتي هذا الحراك في وقت تشهد فيه بغداد ضغوطًا سياسية وشعبية متزايدة لتعزيز سلطة الدولة وإنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة، خصوصًا بعد سنوات طويلة من وجود تشكيلات مسلحة متنوعة خارج الأطر العسكرية التقليدية.
كما يرتبط الملف بشكل وثيق بالتطورات الإقليمية، حيث تسعى الحكومة العراقية إلى تجنيب البلاد تداعيات الصراعات الإقليمية وإبعاد الساحة العراقية عن أي مواجهات قد تنشأ بين القوى الدولية والإقليمية الفاعلة في المنطقة.
ويرى خبراء أمنيون أن نجاح الحكومة العراقية في تنفيذ مشروع حصر السلاح بيد الدولة سيشكل نقطة تحول مهمة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضًا على مستوى الاستقرار السياسي وتعزيز ثقة المستثمرين وتحسين بيئة الأعمال وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، يحذر آخرون من أن نجاح المشروع سيظل مرتبطًا بقدرة الحكومة على التوصل إلى تفاهمات سياسية شاملة مع مختلف القوى والفصائل، وتوفير ضمانات تحول دون نشوء أزمات داخلية جديدة قد تؤثر على الاستقرار الأمني.
ومع بدء تسليم مقرات “سرايا السلام” وإعلان فصائل أخرى السير في الاتجاه نفسه، يبدو أن العراق دخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد الأمني والعسكري، وسط ترقب داخلي وإقليمي لمدى قدرة بغداد على استكمال هذا المسار وتحقيق هدف طال انتظاره يتمثل في جعل السلاح حكرًا على مؤسسات الدولة وحدها.










