تحركات خاطفة نحو النيجر وبوركينا فاسو تفتح صفحة جديدة في علاقات بنين مع دول الساحل وتثير تساؤلات حول مستقبل التحالفات الأمنية والاقتصادية في المنطقة
لندن – المنشر_الاخباري
في أول اختبار حقيقي لسياسته الخارجية منذ توليه الرئاسة في 24 مايو/أيار 2026، اختار رئيس بنين الجديد روموالد واداغني أن يوجه رسائل سياسية قوية إلى الداخل والخارج عبر جولة إقليمية سريعة شملت نيجيريا والنيجر وبوركينا فاسو، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة تموضع بنين داخل المشهد المتغير في غرب أفريقيا، وفتح قنوات تواصل مع أنظمة عسكرية كانت حتى وقت قريب على خلاف سياسي وأمني مع جيرانها.
وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه منطقة الساحل وغرب أفريقيا تحولات غير مسبوقة، بعد سلسلة الانقلابات العسكرية التي أطاحت حكومات منتخبة في النيجر ومالي وبوركينا فاسو، وما تبعها من إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية وانسحاب تلك الدول من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا وتأسيس ما يعرف بـتحالف دول الساحل.
وتطرح الزيارة المبكرة للرئيس البنيني تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت بنين بصدد انتهاج سياسة أكثر براغماتية تجاه جيرانها العسكريين، أم أن الأمر يندرج ضمن محاولة لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
بداية مختلفة لرئيس جديد
عادة ما تعكس أولى الزيارات الخارجية لأي رئيس أولويات السياسة الخارجية للدولة التي يقودها. ومن هذا المنطلق، حملت جولة واداغني رسائل متعددة الأبعاد، خاصة أنها جاءت بعد أيام قليلة فقط من أدائه اليمين الدستورية.
فبدلاً من التركيز على الشركاء التقليديين في أوروبا أو المؤسسات الدولية، فضّل الرئيس الجديد التوجه نحو الجوار الإقليمي المباشر، واضعاً ملف العلاقات مع دول الساحل على رأس أجندته السياسية.
وتؤكد الرئاسة البنينية أن هذه الخطوة تأتي في إطار ما أسمته “دبلوماسية الجوار النشطة”، وهي مقاربة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال الحوار المباشر والتعاون الاقتصادي والأمني مع الدول المجاورة.
ويرى محللون أن اختيار النيجر وبوركينا فاسو تحديدا لم يكن مصادفة، بل يعكس إدراكاً متزايداً لدى القيادة البنينية بأن استقرار البلاد بات مرتبطاً بصورة مباشرة بما يجري على حدودها الشمالية، حيث تنشط جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية.
لماذا تشكل النيجر أولوية لبنين؟
احتلت النيجر موقعاً محورياً في الجولة الرئاسية الجديدة، ليس فقط بسبب العلاقات التاريخية بين البلدين، بل أيضاً نتيجة الأزمة التي اندلعت بينهما عقب انقلاب عام 2023.
ففي أعقاب استيلاء العسكريين على السلطة في نيامي، دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة توتر حاد، بعدما اتهمت السلطات النيجرية بنين بالسماح لقوات أجنبية باستخدام أراضيها ضد النظام الجديد.
وتطور الخلاف لاحقاً إلى إغلاق الحدود بين البلدين، الأمر الذي تسبب في خسائر اقتصادية كبيرة للطرفين، خاصة أن النيجر تعتمد بشكل واسع على ميناء كوتونو البنيني للحصول على الواردات القادمة من الخارج.
وخلال اللقاء الذي جمع واداغني برئيس المجلس العسكري النيجري عبد الرحمن تياني، برزت الرغبة المشتركة في تجاوز مرحلة التوتر، حيث اتفق الجانبان على تشكيل لجنة خبراء لإزالة العقبات التي تعيق التعاون الثنائي، وفي مقدمتها ملف إعادة فتح الحدود.
ويشير هذا الاتفاق إلى وجود إدراك متبادل بأن استمرار القطيعة لا يخدم مصالح أي من الطرفين، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها دول المنطقة.
الإرهاب.. التهديد المشترك
بعيداً عن الملفات السياسية، كان الأمن أحد أبرز محاور المباحثات بين الجانبين.
فالنيجر وبنين تواجهان تهديدات متزايدة من الجماعات المسلحة التي وسعت نشاطها خلال السنوات الأخيرة من منطقة الساحل نحو دول خليج غينيا.
وشهدت المناطق الشمالية من بنين خلال الأعوام الماضية هجمات متكررة استهدفت قوات الأمن ومواقع عسكرية، في تطور مثّل تحولاً خطيراً بالنسبة لدولة كانت تعد حتى وقت قريب بعيدة نسبياً عن دائرة العنف المسلح.
ومن هنا، فإن التنسيق الأمني مع النيجر يمثل أولوية استراتيجية بالنسبة لواداغني، الذي يدرك أن نجاح حكومته في مواجهة التهديدات الأمنية يعتمد بدرجة كبيرة على مستوى التعاون مع الدول المجاورة.
محطة واغادوغو ورسائل التقارب
بعد نيامي، توجه الرئيس البنيني إلى بوركينا فاسو حيث التقى رئيسها العسكري إبراهيم تراوري.
وحملت الزيارة أهمية خاصة نظراً للبرود الذي طبع العلاقات بين الجانبين خلال السنوات الأخيرة نتيجة التباينات السياسية والمواقف المختلفة تجاه الأوضاع الإقليمية.
إلا أن البيان المشترك الصادر عقب اللقاء عكس رغبة واضحة في فتح صفحة جديدة من التعاون، مع التركيز على ملفات الأمن والتجارة والبنية التحتية.
ووصف الجانبان الزيارة بأنها خطوة مهمة لإحياء العلاقات الثنائية وتعزيز الشراكة بين البلدين على أسس من الثقة والتضامن.
ميناء كوتونو.. الورقة الاقتصادية الأقوى
في قلب النقاشات الاقتصادية بين بنين وبوركينا فاسو يبرز ميناء كوتونو باعتباره أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي تمتلكها بنين.
فالدول الحبيسة في الساحل، مثل النيجر وبوركينا فاسو، تعتمد بشكل كبير على الموانئ الساحلية للحصول على احتياجاتها من السلع والوقود والمواد الخام.
ويمنح هذا الواقع الجغرافي بنين موقعاً اقتصادياً مهماً يمكن استثماره لتعزيز نفوذها الإقليمي وتحقيق مكاسب اقتصادية كبيرة.
ولهذا السبب، ركزت المباحثات بين واداغني وتراوري على تطوير التعاون اللوجستي والتجاري، وتسريع المشاريع المشتركة التي تسهل حركة البضائع بين البلدين.
صعود تحالف دول الساحل
لفهم أهمية الجولة الرئاسية الجديدة، لا بد من التوقف عند التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فبعد سلسلة الانقلابات العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، اتجهت هذه الدول إلى بناء إطار سياسي وأمني جديد بعيداً عن إيكواس.
وأدى ذلك إلى تأسيس تحالف دول الساحل الذي بات يمثل أحد أبرز التكتلات الصاعدة في غرب أفريقيا.
ويهدف التحالف إلى تعزيز التعاون العسكري والأمني والاقتصادي بين أعضائه، وتقليل الاعتماد على المؤسسات الإقليمية التقليدية التي اعتبرتها تلك الدول خاضعة لنفوذ خارجي.
وبالنسبة لبنين، فإن تجاهل هذا الواقع الجديد قد يؤدي إلى خسارة فرص سياسية واقتصادية مهمة، وهو ما يفسر الانفتاح الحالي على قادة التحالف.
بين فرنسا وروسيا.. معركة النفوذ مستمرة
لا يمكن فصل التحركات الجديدة عن المنافسة الدولية المتصاعدة في غرب أفريقيا.
ففي السنوات الأخيرة، تراجع النفوذ الفرنسي بشكل ملحوظ في عدد من دول الساحل، مقابل صعود أدوار جديدة لقوى دولية أخرى، أبرزها روسيا وتركيا والصين.
وقد اتخذت النيجر وبوركينا فاسو ومالي مواقف أكثر تقارباً مع موسكو، في حين حافظت دول أخرى في المنطقة على علاقات وثيقة مع الغرب.
وفي هذا السياق، تبدو بنين حريصة على تجنب الانخراط في محاور متصارعة، عبر تبني سياسة تقوم على الحوار مع جميع الأطراف والحفاظ على مصالحها الوطنية.
تحديات تنتظر الرئيس الجديد
رغم الزخم الذي رافق الجولة، فإن الطريق أمام واداغني لن يكون سهلاً.
فإعادة بناء الثقة مع الأنظمة العسكرية في الساحل تتطلب وقتاً وجهداً دبلوماسياً كبيراً، كما أن التهديدات الأمنية ما تزال قائمة، إضافة إلى التحديات الاقتصادية التي تواجه المنطقة بأكملها.
كما أن أي تقارب مع دول الساحل يجب أن يراعي علاقات بنين مع شركائها التقليديين داخل إيكواس وخارجها، وهو ما يفرض على الرئيس الجديد تحقيق توازن دقيق بين المصالح المتعارضة.
هل تنجح دبلوماسية واداغني؟
تشير المؤشرات الأولية إلى أن الرئيس البنيني يسعى إلى انتهاج مقاربة مختلفة تقوم على البراغماتية والتواصل المباشر بدلاً من القطيعة والمواجهة.
وإذا نجحت الجهود الرامية إلى إعادة فتح الحدود مع النيجر، وتعزيز التعاون الاقتصادي مع بوركينا فاسو، فقد تتحول بنين إلى حلقة وصل مهمة بين دول الساحل ودول الساحل الأطلسي.
لكن نجاح هذه الرؤية سيظل مرتبطاً بقدرة جميع الأطراف على تجاوز الخلافات السابقة، والتوصل إلى صيغ تعاون قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية التي تهدد المنطقة.
ويبقى المؤكد أن الجولة الأولى لروموالد واداغني لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل إعلاناً واضحاً عن بداية مرحلة جديدة في السياسة الخارجية البنينية، عنوانها الانفتاح على الجوار ومحاولة إعادة رسم خريطة التحالفات في غرب أفريقيا.










