تقنية بسيطة أربكت جيشاً متقدماً وكشفت ثغرات غير متوقعة في منظومة الدفاع الإسرائيلية
بيروت – المنشر الاخبارى
أعاد حزب الله رسم معادلة المواجهة مع إسرائيل عبر سلاح جديد نسبياً في ساحات القتال الحديثة، يتمثل في المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، وهي تقنية أثبتت خلال الأشهر الأخيرة قدرتها على تجاوز أنظمة التشويش الإلكتروني الإسرائيلية وإلحاق خسائر مباشرة بالقوات والآليات المنتشرة في جنوب لبنان.
وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية وأميركية، فإن الهجمات التي نفذها الحزب بواسطة هذه المسيّرات لم تقتصر على تحقيق إصابات ميدانية، بل أحدثت صدمة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية التي وجدت نفسها أمام تهديد يصعب التعامل معه بالوسائل التقليدية التي اعتمدت عليها لسنوات.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تحولت هذه المسيّرات إلى عنصر أساسي في عمليات حزب الله ضد القوات الإسرائيلية، حيث استهدفت دبابات وناقلات جند ومواقع عسكرية ومنظومات دفاعية، في وقت اعترف فيه الجيش الإسرائيلي بأن وتيرة الهجمات أصبحت شبه يومية على بعض الجبهات.
وتعتمد المسيّرات الجديدة على نظام توجيه مختلف عن الطائرات المسيرة التقليدية. فبدلاً من الاعتماد على موجات الراديو أو الأقمار الصناعية، ترتبط الطائرة بالمشغل عبر سلك دقيق من الألياف الضوئية يمتد خلفها أثناء الطيران، ما يجعلها بمنأى عن عمليات التشويش الإلكتروني التي تشكل أحد أهم أدوات الحرب الإسرائيلية ضد الطائرات المسيرة.
وتكمن خطورة هذه التقنية في أنها تسمح للمشغل بالحفاظ على الاتصال المباشر مع المسيّرة حتى لحظة إصابة الهدف، دون أن تتمكن أنظمة الحرب الإلكترونية من قطع الإشارة أو السيطرة عليها أو تعطيلها كما يحدث مع المسيّرات التقليدية.
ويرى خبراء عسكريون أن نجاح هذا النوع من الطائرات المسيرة ليس مرتبطاً فقط بالتكنولوجيا المستخدمة، بل أيضاً بطبيعة ساحة المعركة في جنوب لبنان، حيث تنتشر التضاريس الجبلية والوديان والمناطق الحرجية التي تمنح المشغلين قدرة أكبر على المناورة وإخفاء مواقع الإطلاق.
وتشير تقارير غربية إلى أن ضباطاً إسرائيليين حذروا منذ عام 2024 من إمكانية انتقال هذه التقنية من ساحات القتال في الحرب الروسية الأوكرانية إلى الشرق الأوسط، إلا أن التحذيرات لم تتحول إلى خطط عملية أو إجراءات دفاعية كافية قبل بدء الهجمات الفعلية.
ومع تصاعد استخدام المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية، بدأت تظهر آثارها على الأرض بشكل واضح. فقد نشرت وسائل إعلام مقربة من حزب الله عشرات المقاطع المصورة التي تظهر إصابة أهداف إسرائيلية مباشرة، بينما تحدثت تقارير إسرائيلية عن سقوط قتلى وجرحى نتيجة هذه الهجمات.
ولا تقتصر أهمية هذه العمليات على الجانب العسكري فحسب، بل تمتد إلى الحرب النفسية والإعلامية. فالمشاهد المصورة التي توثق لحظات الاستهداف تساهم في تعزيز صورة الحزب لدى أنصاره، وفي المقابل تزيد من الضغوط على القيادة العسكرية الإسرائيلية التي تواجه تساؤلات متزايدة بشأن قدرتها على حماية قواتها.
وأثارت هذه التطورات نقاشاً واسعاً داخل إسرائيل حول جاهزية الجيش لمواجهة التهديدات الجديدة. فالدولة التي استثمرت مليارات الدولارات في تطوير أنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية وجدت نفسها أمام سلاح منخفض الكلفة نسبياً لكنه قادر على تجاوز بعض أكثر التقنيات العسكرية تطوراً.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن تكلفة المسيّرة الواحدة من هذا النوع أقل بكثير من تكلفة الصواريخ الاعتراضية أو الأنظمة المستخدمة للتعامل معها، ما يمنح الجهة المهاجمة أفضلية اقتصادية وعسكرية في الوقت نفسه.
وفي محاولة لاحتواء التهديد، بدأت إسرائيل دراسة حلول متعددة تشمل نشر شبكات حماية فوق المواقع العسكرية والدبابات، وزيادة استخدام الأسلحة الرشاشة وأنظمة الرصد البصري القريبة، إضافة إلى تطوير وسائل قادرة على اكتشاف أسلاك الألياف الضوئية أو قطعها قبل وصول المسيّرة إلى هدفها.
لكن خبراء عسكريين يرون أن مواجهة هذا النوع من المسيّرات ليست مهمة سهلة، خاصة أن مدة الهجوم غالباً ما تكون قصيرة جداً، وأن المسيّرة تقترب من الهدف على ارتفاع منخفض وبسرعة تمنح الجنود وقتاً محدوداً لاتخاذ رد فعل مناسب.
كما تخشى إسرائيل من أن يكون ما يحدث حالياً مجرد بداية لمرحلة أكثر تعقيداً، خصوصاً مع التطور السريع في تقنيات الطائرات المسيرة حول العالم. فالتقارير العسكرية تشير إلى إمكانية دمج هذه المسيّرات مستقبلاً مع شبكات الاتصالات الخلوية أو تقنيات الذكاء الاصطناعي، ما سيجعل رصدها أو تعطيلها أكثر صعوبة.
وفي هذا السياق، سعت تل أبيب إلى الاستفادة من الخبرة الأوكرانية في مواجهة هذا النوع من التهديدات، حيث أصبحت أوكرانيا وروسيا من أبرز ساحات اختبار المسيّرات الموجهة بالألياف الضوئية خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد مراقبون أن ما يجري على الجبهة اللبنانية يعكس تحولاً أوسع في طبيعة الحروب الحديثة، حيث لم يعد التفوق العسكري مرتبطاً فقط بحجم الترسانة أو التكنولوجيا المتقدمة، بل أيضاً بقدرة الأطراف على التكيف السريع مع الابتكارات منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
وبالنسبة لحزب الله، فإن نجاح المسيّرات الجديدة يمنحه أداة إضافية لتعزيز قدراته الهجومية وإرباك القوات الإسرائيلية، في وقت يسعى فيه إلى إثبات قدرته على مواصلة المواجهة رغم الضغوط العسكرية المستمرة.
أما بالنسبة لإسرائيل، فإن التحدي لا يتمثل فقط في إسقاط هذه المسيّرات، بل في استعادة صورة الردع والتفوق التكنولوجي التي شكلت لعقود أحد أهم عناصر القوة في عقيدتها العسكرية.
ومع استمرار المواجهات على الحدود اللبنانية وتصاعد وتيرة استخدام الطائرات المسيرة، تبدو المعركة الحالية اختباراً حقيقياً لقدرة الجيش الإسرائيلي على التكيف مع تهديدات غير تقليدية، قد تكون مقدمة لتحولات أكبر في شكل الصراعات الإقليمية خلال السنوات المقبلة.










