إلغاء الإبلاغ عن بعض وفيات المحتجزين وتشديد إجراءات الحصول على “البطاقة الخضراء” يفتحان جبهة جديدة من الجدل حول سياسات الهجرة الأمريكية وحقوق المهاجرين.
واشنطن – المنشر الإخباري
تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من الانتقادات الحقوقية بعد اتخاذها سلسلة إجراءات تتعلق بملف الهجرة، شملت تقليص متطلبات الإبلاغ عن وفيات محتجزين سابقين لدى سلطات الهجرة، إلى جانب تشديد إجراءات الحصول على الإقامة الدائمة، في خطوات يرى منتقدون أنها تعكس توجهاً متزايداً نحو التضييق على المهاجرين وتقليص الضمانات الممنوحة لهم.
وأعلنت وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) عزمها تعديل سياسة معمول بها منذ عام 2021، تقضي بالإبلاغ عن حالات الوفاة التي تقع خلال 30 يوماً من الإفراج عن المحتجزين من مراكز الاحتجاز التابعة لها.
وبموجب التعديل الجديد، ستعود الوكالة إلى القواعد السابقة التي تحصر الإبلاغ الرسمي بحالات الوفاة التي تقع أثناء فترة الاحتجاز فقط، دون تحميلها مسؤولية متابعة أو توثيق الوفيات التي تحدث بعد الإفراج عن المحتجزين.
وقالت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية إن الوكالة لا يمكن أن تظل مسؤولة عن أشخاص توفوا بعد أسابيع من مغادرتهم مراكز الاحتجاز، معتبرة أن السياسة السابقة تجاوزت نطاق المسؤولية المباشرة للوكالة.
لكن منظمات حقوقية ومحامين متخصصين في قضايا الهجرة يرون أن القرار الجديد قد يقلص مستويات الشفافية والمساءلة داخل منظومة الاحتجاز، خصوصاً في الحالات التي تكون فيها الوفاة مرتبطة بأوضاع صحية أو ظروف تعرض لها المحتجز خلال فترة احتجازه.
ويعود اعتماد قاعدة الثلاثين يوماً إلى إدارة الرئيس السابق جو بايدن، التي بررت القرار آنذاك بالحاجة إلى منع الإفراج عن محتجزين يعانون أوضاعاً صحية حرجة بهدف تجنب تسجيل وفاتهم داخل مراكز الاحتجاز الرسمية.
وجاء القرار بعد حوادث أثارت جدلاً واسعاً، من بينها وفاة محتجز سابق بعد أيام قليلة من إطلاق سراحه إثر إصابته بفيروس كورونا خلال وجوده داخل أحد مراكز الاحتجاز في ولاية كاليفورنيا.
وبحسب تقارير أمريكية، بلغ عدد الوفيات المسجلة بين المحتجزين لدى وكالة الهجرة والجمارك خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 نحو 18 حالة وفاة، وسط توقعات بأن تتجاوز الحصيلة الإجمالية أرقام العام الماضي التي بلغت 30 حالة، وهي الأعلى منذ نحو عقدين.
ويُلزم الكونغرس الأمريكي الوكالة منذ عام 2014 بإبلاغ السلطات الفيدرالية بحالات الوفاة داخل مراكز الاحتجاز، كما فُرض منذ عام 2018 نشر معلومات علنية عن تلك الحالات بهدف تعزيز الرقابة الحكومية وضمان التحقيق في أي شبهات تتعلق بالإهمال أو التقصير.
ويرى حقوقيون أن التراجع عن قاعدة الثلاثين يوماً قد يؤدي إلى تقليص عدد التحقيقات المرتبطة بظروف الاحتجاز والرعاية الطبية المقدمة للمهاجرين، ما قد يضعف آليات المحاسبة داخل النظام.
وفي موازاة ذلك، تواصل إدارة ترامب المضي في تشديد سياسات الهجرة والإقامة، حيث أثارت تعليمات جديدة تتعلق بالحصول على الإقامة الدائمة في الولايات المتحدة حالة واسعة من القلق بين المهاجرين.
وكانت دائرة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية قد أصدرت توجيهات تفيد بأن بعض المتقدمين للحصول على “البطاقة الخضراء” قد يضطرون إلى مغادرة الولايات المتحدة واستكمال إجراءاتهم من بلدانهم الأصلية، بدلاً من إنهائها داخل الأراضي الأمريكية.
ورغم أن وزارة الأمن الداخلي أوضحت لاحقاً أن القرار لن يطبق بشكل آلي على جميع الحالات وأن كل ملف سيُدرس بشكل منفصل، فإن التوضيحات لم تنهِ المخاوف التي أثارتها التوجيهات الجديدة.
ويحذر محامون متخصصون في شؤون الهجرة من أن هذه السياسات قد تضع آلاف المهاجرين أمام خيارات صعبة، تشمل مغادرة الولايات المتحدة لأشهر أو سنوات مع غياب أي ضمانات بشأن إمكانية العودة أو الحصول على الإقامة النهائية.
كما يخشى كثيرون من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تفكيك أسر وحرمان بعض المتقدمين من وظائفهم أو مصادر دخلهم خلال فترات الانتظار الطويلة خارج البلاد.
وتؤكد إدارة ترامب أن الإجراءات الجديدة تهدف إلى جعل نظام الهجرة أكثر انضباطاً وكفاءة، والحد من الثغرات التي تسمح بالبقاء داخل الولايات المتحدة لفترات طويلة أثناء انتظار البت في الطلبات.
إلا أن منتقدي الإدارة يرون أن ما يجري يتجاوز مجرد إصلاح إداري، ويعكس توجهاً سياسياً أوسع نحو تشديد الرقابة على المهاجرين وتقليص الضمانات القانونية والإنسانية المرتبطة بملفات الهجرة واللجوء.
ومع احتدام الجدل السياسي حول الهجرة في الولايات المتحدة، تبدو هذه القرارات مرشحة لإشعال مواجهة جديدة بين الإدارة الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان، في وقت يظل فيه ملف الهجرة أحد أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل المجتمع الأمريكي.









