تقرير أميركي يكشف مخاوف غير مسبوقة من تصاعد أنشطة الاستخبارات الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة واستهدافها دوائر صنع القرار في واشنطن
واشنطن – المنشر الاخبارى
كشفت تقارير إعلامية أميركية عن تصاعد القلق داخل وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إزاء ما وصفته بمخاطر متزايدة مرتبطة بأنشطة التجسس الإسرائيلية داخل الولايات المتحدة، في تطور لافت يعكس حجم التوترات الخفية التي قد تشوب العلاقات الأمنية بين الحليفين التقليديين رغم الشراكة الاستراتيجية الوثيقة التي تجمعهما منذ عقود.
وبحسب تقرير نشرته شبكة “إن بي سي نيوز” الأميركية نقلاً عن مسؤولين حاليين وسابقين في وزارة الدفاع، فقد رفعت وكالة استخبارات الدفاع الأميركية (DIA) مستوى التهديد المرتبط بأنشطة التجسس الإسرائيلية إلى درجة “حرج”، وهي أعلى درجة ضمن سلم تقييم المخاطر الاستخباراتية المعتمد داخل المؤسسة العسكرية الأميركية.
ويشير هذا التصنيف إلى أن الجهات الأميركية المختصة باتت تنظر بجدية أكبر إلى احتمالات سعي أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية للحصول على معلومات حساسة تتعلق بالسياسات الأميركية والقرارات الداخلية المرتبطة بالقضايا الأمنية والعسكرية، وخاصة تلك المتعلقة بالتطورات الجارية في الشرق الأوسط.
تصنيف “حرج” يثير التساؤلات
يمثل رفع مستوى الخطر إلى الدرجة القصوى خطوة غير معتادة في التعامل مع دولة تعد من أقرب الحلفاء الاستراتيجيين للولايات المتحدة.
ووفقاً للمعلومات الواردة في التقرير، فإن التقييم الجديد استند إلى مراجعات استخباراتية داخلية خلصت إلى وجود مؤشرات تدعو إلى القلق بشأن تنامي نشاط أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ومحاولاتها المحتملة للوصول إلى معلومات تتعلق بالمداولات الداخلية داخل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويُنظر إلى هذا القرار على أنه رسالة واضحة من المؤسسة الأمنية الأميركية إلى موظفيها ومسؤوليها بضرورة توخي أقصى درجات الحذر عند التعامل مع القضايا الحساسة التي قد تكون محل اهتمام استخباراتي من جانب إسرائيل.
كما يعكس التصنيف الجديد حجم المخاوف من إمكانية تعرض معلومات عسكرية أو أمنية أو سياسية أميركية للتسريب أو الرصد بوسائل مختلفة، سواء عبر المصادر البشرية أو الأدوات التقنية المتطورة.
ماذا كشف تقييم وكالة استخبارات الدفاع؟
بحسب المسؤولين الذين تحدثوا للشبكة الأميركية، أعدت وكالة استخبارات الدفاع تقييماً مفصلاً امتد على سبع صفحات تناول قدرات إسرائيل الاستخباراتية ومستوى المخاطر المرتبطة بها.
وتضمن التقرير الداخلي تقييماً لقدرات إسرائيل على تنفيذ عمليات جمع معلومات عبر الوسائل التقنية الحديثة، بالإضافة إلى قدرتها على تشغيل مصادر بشرية قادرة على الوصول إلى معلومات حساسة داخل الولايات المتحدة.
وأشار التقييم إلى أن هناك سلسلة من الوقائع والمؤشرات التي دفعت المحللين الأميركيين إلى الاعتقاد بأن النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي شهد تصاعداً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة.
ورغم أن تفاصيل تلك الوقائع لم تُكشف بشكل كامل للرأي العام، فإن المصادر الأميركية أكدت أن نمطاً معيناً من الأحداث دفع الأجهزة الأمنية إلى إعادة النظر في تقديراتها السابقة للمخاطر.
التجسس بين الحلفاء.. ظاهرة ليست جديدة
رغم الطابع الصادم للتقرير، فإن الحديث عن عمليات تجسس متبادلة أو محاولات جمع معلومات بين الدول الحليفة ليس أمراً جديداً في عالم الاستخبارات.
فالعلاقات الدولية، حتى بين أقرب الحلفاء، لا تخلو من محاولات للحصول على معلومات إضافية تساعد في فهم توجهات الطرف الآخر أو استباق قراراته.
وتاريخياً، واجهت الولايات المتحدة عدة حالات أثارت جدلاً واسعاً بشأن أنشطة استخباراتية إسرائيلية داخل أراضيها، وهو ما جعل الملف حاضراً باستمرار داخل دوائر الأمن القومي الأميركي.
ويقول خبراء إن أجهزة الاستخبارات غالباً ما تنظر إلى المعلومات باعتبارها أداة استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها، حتى عندما يتعلق الأمر بدول صديقة أو حليفة.
قضية جوناثان بولارد.. الجرح الذي لم يلتئم
تظل قضية جوناثان بولارد واحدة من أبرز محطات التوتر الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكان بولارد يعمل محللاً استخباراتياً في البحرية الأميركية قبل أن يتم اعتقاله عام 1985 وإدانته بتسريب آلاف الوثائق السرية إلى إسرائيل.
وأثارت القضية آنذاك غضباً واسعاً داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، حيث اعتبرت من أخطر عمليات الاختراق الاستخباراتي التي تعرضت لها الولايات المتحدة من قبل دولة حليفة.
وقضى بولارد نحو ثلاثة عقود في السجن قبل الإفراج عنه عام 2015، بينما منحته إسرائيل الجنسية واعتبرته بطلاً قومياً.
ورغم مرور سنوات طويلة على القضية، فإنها لا تزال حاضرة في الذاكرة المؤسسية الأميركية كلما أثيرت تساؤلات حول أنشطة التجسس الإسرائيلية.
لماذا تتزايد المخاوف الآن؟
يربط بعض المحللين تصاعد المخاوف الأميركية بالتحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط خلال المرحلة الحالية.
ففي ظل الأزمات المتلاحقة والصراعات الإقليمية المتصاعدة، تصبح المعلومات المتعلقة بنوايا الإدارة الأميركية وقراراتها المستقبلية ذات قيمة استثنائية بالنسبة لجميع الأطراف المعنية.
وتشير التقديرات إلى أن إسرائيل قد تكون مهتمة بشكل خاص بمعرفة توجهات واشنطن بشأن ملفات الأمن الإقليمي، ومستقبل التحالفات العسكرية، وخطط التعامل مع التحديات الأمنية المختلفة.
كما أن التباينات التي قد تظهر أحياناً بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية بشأن بعض القضايا الاستراتيجية يمكن أن تزيد من أهمية المعلومات الاستخباراتية بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب.
تعليمات أمنية مشددة للمسؤولين الأميركيين
كشف التقرير أن المسؤولين الأميركيين الذين يسافرون إلى إسرائيل أو الأراضي الفلسطينية المحتلة يتلقون تعليمات أمنية خاصة تهدف إلى تقليل مخاطر التعرض للتجسس.
وتشمل هذه الإجراءات استخدام هواتف مؤقتة وأجهزة حاسوب مخصصة للرحلات الرسمية فقط، بالإضافة إلى تجنب مناقشة الملفات الحساسة داخل الفنادق أو الأماكن العامة.
كما يُنصح المسؤولون بعدم الاعتماد على شبكات الإنترنت المحلية عند التعامل مع المعلومات السرية أو الوثائق الحكومية الحساسة.
وتعكس هذه الإجراءات حجم القلق الذي يساور المؤسسات الأمنية الأميركية بشأن احتمالات تعرض مسؤوليها للمراقبة أو جمع المعلومات خلال الزيارات الرسمية.
إسرائيل تنفي الاتهامات
في المقابل، سارعت السفارة الإسرائيلية في واشنطن إلى نفي ما ورد في التقرير الأميركي.
وأكد متحدث باسم السفارة أن إسرائيل لا تنفذ عمليات تجسس ضد المسؤولين الحكوميين الأميركيين، واصفاً المزاعم الواردة في التقرير بأنها “غير صحيحة بالكامل”.
وشددت إسرائيل مراراً خلال السنوات الماضية على التزامها بالعلاقات الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وحرصها على التعاون الأمني والاستخباراتي الوثيق مع واشنطن.
ويرى مسؤولون إسرائيليون أن مثل هذه التقارير قد تؤدي إلى خلق انطباعات خاطئة حول طبيعة العلاقة بين البلدين.
التعاون الاستخباراتي رغم الخلافات
على الرغم من الجدل الذي أثاره التقرير، فإن التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل يعد من أوسع وأعمق أشكال التعاون الأمني في العالم.
وتتبادل الدولتان بشكل منتظم المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والأمن السيبراني والتهديدات العسكرية والتطورات الإقليمية.
كما لعب التنسيق الاستخباراتي بينهما دوراً مهماً في العديد من الملفات الأمنية الحساسة خلال العقود الماضية.
لكن خبراء يشيرون إلى أن التعاون الوثيق لا يلغي وجود مصالح وطنية مستقلة لكل طرف، وهو ما يفسر استمرار محاولات جمع المعلومات حتى بين الحلفاء المقربين.
انعكاسات محتملة على العلاقات الأميركية الإسرائيلية
من غير المتوقع أن يؤدي التقرير وحده إلى أزمة دبلوماسية بين واشنطن وتل أبيب، إلا أنه قد يدفع إلى مراجعات أمنية داخل المؤسسات الأميركية.
وقد تتجه وزارة الدفاع الأميركية إلى تشديد الإجراءات المتعلقة بحماية المعلومات الحساسة وتعزيز الرقابة الداخلية لمنع أي محاولات اختراق محتملة.
كما قد يثير التقرير نقاشات أوسع داخل الكونغرس والأوساط السياسية الأميركية بشأن طبيعة العلاقات الأمنية مع الحلفاء وحدود تبادل المعلومات الاستخباراتية.
وفي المقابل، ستسعى إسرائيل على الأرجح إلى احتواء تداعيات هذه الاتهامات والتأكيد على أهمية الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
بين الثقة والحذر
تكشف هذه القضية عن حقيقة معقدة تحكم العلاقات الدولية، وهي أن التحالفات السياسية والعسكرية لا تلغي بالكامل اعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية.
فحتى بين الدول التي تجمعها شراكات وثيقة، تبقى المعلومات أداة قوة ونفوذ تسعى جميع الأطراف إلى الحصول عليها.
ومن هنا، فإن رفع البنتاغون مستوى التحذير من التجسس الإسرائيلي لا يعني بالضرورة انهيار الثقة بين الجانبين، لكنه يعكس إدراكاً أميركياً متزايداً لأهمية حماية المعلومات الحساسة في بيئة دولية شديدة التعقيد والتنافس.
وفي ظل استمرار الأزمات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية، يبدو أن ملف التجسس بين الحلفاء سيظل واحداً من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، مهما بلغت قوة التحالف القائم بينهما.










