طهران ترد بغضب على تصريحات الرئيس اللبناني بشأن النفوذ الإيراني وتدعوه إلى مواجهة “العدو الحقيقي” بدل تحميل إيران مسؤولية أزمات البلاد
شهدت العلاقات اللبنانية الإيرانية تصعيداً سياسياً جديداً، بعدما شنت طهران هجوماً لاذعاً على الرئيس اللبناني جوزاف عون، رداً على تصريحات اتهم فيها إيران باستخدام لبنان كورقة ضغط في مفاوضاتها مع الولايات المتحدة.
وجاء الرد الإيراني على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، الذي انتقد تصريحات عون بشدة، معتبراً أنها تتجاهل التحديات الحقيقية التي يواجهها لبنان، وفي مقدمتها استمرار الهجمات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية.
هجوم إيراني مباشر على الرئيس اللبناني
وفي منشور باللغة العربية عبر منصة “إكس”، وجه بقائي انتقادات حادة إلى الرئيس اللبناني، قائلاً إن بعض السياسيين “يبيعون من يقف إلى جانبهم ويستثمرون في من يقف ضدهم”، في إشارة واضحة إلى موقف عون من إيران وحلفائها في المنطقة.
وأضاف المسؤول الإيراني أن هناك من “يتخلى عن الذين ساندوه ويدعم الذين وضعوه في موقف صعب”، في تصريحات تعكس حجم الاستياء الإيراني من المواقف الأخيرة الصادرة عن الرئاسة اللبنانية.
وتأتي هذه التصريحات بعد ساعات من انتقاد مماثل وجهه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للرئيس اللبناني، في إطار حملة سياسية وإعلامية إيرانية للرد على تصريحات عون.
ماذا قال جوزاف عون؟
وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد أثار جدلاً واسعاً خلال مقابلة مع شبكة CNN الأميركية، عندما اتهم إيران بالتعامل مع لبنان باعتباره ورقة مساومة في محادثاتها مع واشنطن.
وقال عون إن استخدام لبنان في أي مفاوضات إقليمية أو دولية أمر “غير مقبول”، مؤكداً أن اللبنانيين دفعوا أثماناً باهظة جراء الصراعات الإقليمية التي انعكست على بلادهم خلال العقود الماضية.
كما شدد الرئيس اللبناني على ضرورة تحييد لبنان عن النزاعات الخارجية، والعمل على حماية السيادة اللبنانية ومنع استخدام الأراضي اللبنانية كساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.
عراقجي: أنقذوا لبنان من عدوه الحقيقي
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي كان أول من رد على تصريحات عون، حيث نشر بياناً عبر منصة “إكس” اعتبر فيه أن الرئيس اللبناني يخطئ في تشخيص أسباب الأزمة التي تمر بها بلاده.
وقال عراقجي إن تصريحات عون توحي وكأن إيران هي التي “احتلت جزءاً من لبنان وشردت سكانه وتقصف أراضيه بشكل يومي”، في إشارة إلى العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة داخل الأراضي اللبنانية.
وأضاف أن الوقائع على الأرض تشير إلى أن إسرائيل هي الطرف الذي يشن الهجمات ويستهدف القرى والبلدات اللبنانية، وليس إيران.
وتابع قائلاً: “لو كان لبنان بالفعل ورقة تفاوض بيد إيران، لكانت طهران وواشنطن توصلتا إلى اتفاق منذ فترة طويلة”.
وختم رسالته بدعوة مباشرة إلى الرئيس اللبناني قائلاً: “أنقذ لبنان من عدوه الحقيقي”.
خلفية التوتر بين بيروت وطهران
التصعيد الكلامي الأخير يعكس حجم التباين المتزايد بين الإدارة اللبنانية الجديدة وإيران بشأن مستقبل البلاد ودور القوى المسلحة غير الحكومية، وعلى رأسها حزب الله.
ففي الوقت الذي تؤكد فيه طهران أن دعمها للبنان يأتي في إطار مساندة ما تصفه بـ”محور المقاومة”، ترى أطراف لبنانية عديدة أن النفوذ الإيراني أسهم في تعقيد المشهد السياسي والأمني وأدخل البلاد في صراعات إقليمية متواصلة.
وتزايدت هذه الخلافات منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية، إذ تبنى خطاباً يدعو إلى تعزيز سلطة الدولة وحصر القرار الأمني والعسكري بالمؤسسات الرسمية اللبنانية.
استمرار المواجهة مع إسرائيل
وتأتي هذه السجالات السياسية في وقت لا تزال فيه الأوضاع الأمنية على الحدود اللبنانية الإسرائيلية تشهد توترات مستمرة رغم الإعلان عن اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أميركية.
فبحسب الرواية الإيرانية، تواصل إسرائيل تنفيذ غارات وهجمات تستهدف بلدات وقرى جنوب لبنان، ما أدى إلى سقوط آلاف الضحايا ونزوح أعداد كبيرة من السكان.
وتؤكد طهران أن التركيز على دور إيران في لبنان يتجاهل ما تصفه بـ”الاعتداءات الإسرائيلية اليومية”، معتبرة أن الأولوية يجب أن تكون لوقف تلك الهجمات وإعادة الاستقرار إلى البلاد.
صراع نفوذ يتجدد
ويرى مراقبون أن السجال بين طهران وبيروت يعكس صراعاً أوسع حول مستقبل لبنان وموقعه في التوازنات الإقليمية، خاصة مع استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، والتطورات الأمنية المتسارعة في المنطقة.
كما يعكس هذا التوتر حجم الحساسية المرتبطة بملف النفوذ الإيراني داخل لبنان، والذي ظل لعقود أحد أكثر الملفات إثارة للانقسام بين القوى السياسية اللبنانية.
ومع استمرار التصريحات المتبادلة بين الجانبين، يبدو أن الخلاف السياسي بين بيروت وطهران مرشح لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، في ظل تباعد الرؤى بشأن أولويات المرحلة المقبلة وكيفية التعامل مع التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه لبنان.










