في تحول جيوسياسي متسارع يهدد استقرار القرن الأفريقي، حذر تقرير صادر عن مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة (ACLED) في يونيو 2026 من أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة من الصراع الشامل.
وتُشير المعطيات الميدانية إلى أن إعادة تشكيل “جبهة تحرير شعب تيغراي” (TPLF) لحكومتها الإقليمية لعام 2020، في مايو الماضي، ليست مجرد إجراء إداري، بل هي استراتيجية عسكرية محفوفة بالمخاطر تهدف إلى استعادة السيطرة على غرب تيغراي، مما ينذر بإشعال فتيل حرب واسعة النطاق.
استراتيجية “تسيلمت”: فتيل المواجهة المتوقعة
تعمل جبهة تحرير شعب تيغراي على توطيد سلطتها عبر إزاحة الحكومة الإقليمية المؤقتة بشكل منهجي، مع تحضير قواتها للتحرك نحو غرب تيغراي. وتعتبر الحكومة الفيدرالية الإثيوبية السيطرة على هذه المنطقة “خطاً أحمر”، مما يعني أن أي تحرك عسكري من الجبهة سيؤدي حتماً إلى اندلاع مواجهة شاملة.
اللافت في هذا التصعيد هو تبني الجبهة لنموذج “عدو عدوي صديقي”؛ إذ تشير مؤشرات ميدانية إلى وجود تنسيق عملياتي بين الجبهة وميليشيات “فانو” القومية الأمهرية، ففي أواخر يناير وأوائل فبراير 2026، تزامن إطلاق الجبهة لعمليات في منطقة “تسيلمت” الحدودية مع هجمات شنتها حركة “فانو” الوطنية ضد ميليشيات موالية للحكومة في المنطقة، وهو ما يعكس تنسيقاً استراتيجياً غير مسبوق بين أطراف كانت حتى وقت قريب في حالة عداء.
تحالف “فانو-تيغراي”: إرهاق الدولة الفيدرالية
من المرجح أن يؤدي التحالف العملياتي بين “فانو” وجبهة تيغراي إلى إرهاق قدرات “قوات الدفاع الوطني الإثيوبية” عبر استنزافها في جبهات متعددة.
ويشكل هذا التحالف خطراً مضاعفاً، حيث يمتد نشاط ميليشيات “فانو” إلى غرب أوروميا، مما يهدد بإشعال فتيل العنف العرقي هناك، وربما إعادة تنشيط “جيش تحرير أورومو” (OLA-Shane) الذي كان قد انقسم وتراجعت حدة تمرده. إن هذا التداخل الجغرافي للعمليات يحول المشهد الأمني من مناوشات محلية إلى حرب تمرد منسقة تهدد تماسك الدولة الإثيوبية من الداخل.
التدويل والحرب بالوكالة
لا يقتصر الخطر على الداخل الإثيوبي، بل يمتد إلى الجوار الإقليمي. فقد أصبحت إريتريا والسودان أطرافاً رئيسية في هذه اللعبة الشطرنجية، في منتصف مايو 2026، استضافت بورتسودان مؤتمراً لحركة “تسيمدو”، التي تضم شخصيات قومية أمهرية، وفصائل معارضة إثيوبية، وقيادات مرتبطة بإريتريا والقوات المسلحة السودانية، يُنظر لهذا التحالف كأول جبهة موحدة علنية ضد إدارة رئيس الوزراء الإثيوبي “آبي أحمد”.
وتُشير التحركات العسكرية إلى وجود خطة لتطويق غرب تيغراي؛ حيث تحشد قوات دفاع تيغراي من الشرق، وقوات أمهرية من الجنوب، بينما تتمركز قوات مدعومة من السودان وإريتريا من الغرب.
وقد رُصدت بالفعل شاحنات تحمل أسلحة ثقيلة ودبابات في منطقة “ويلكايت”، مما يؤكد جدية الاستعدادات لهجوم منسق.
الرد الإثيوبي: استراتيجية زعزعة الجيران
في المقابل، لا تقف أديس أبابا مكتوفة الأيدي؛ حيث تستغل “بنية الوكلاء” الخاصة بها لزعزعة استقرار جيرانها. فهي تدعم جماعات معارضة إريترية، وتُشير التقارير إلى دعم محتمل لقوات الدعم السريع في السودان، في محاولة لإضعاف خصومها الإقليميين قبل أن يتمكنوا من توجيه ضربة لها.
كما أن تواجد “قوات السلام في تيغراي” على الحدود بين تيغراي وعفر، مع سكوت القوات الفيدرالية عنها، يعكس توافقاً ضمنياً بين أهداف أديس أبابا وهذه القوات لتقويض نفوذ جبهة تيغراي.
التقييم العام: إعادة تشكيل البنية الجيوسياسية
خلص تقرير ACLED إلى أن النزاع لم يعد محلياً، بل تحول إلى صراع إقليمي منهجي. إن احتمال نشوب مواجهة مباشرة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري يظل ضئيلاً بسبب التبعات الدبلوماسية والمحلية، لكن “الحرب بالوكالة” أصبحت واقعاً معاشاً.
وأضاف التقرير أن القرن الأفريقي اليوم أمام خطر إعادة تشكيل تحالفاته بالكامل؛ فالمصالح المتقاطعة بين إريتريا والسودان والجماعات المتمردة الإثيوبية، في مواجهة الحكومة الفيدرالية، تجعل من الصعب التنبؤ بمسار الأحداث.
وقال التقرير إن التوقيت العملياتي للمعارك القادمة، والتنسيق المتزايد بين القوى المناهضة لأديس أبابا، يشير إلى أننا بصدد جولة جديدة من العنف قد تكون الأكثر تعقيداً وتأثيراً في تاريخ إثيوبيا الحديث، حيث لم تعد الخطوط الفاصلة بين الحلفاء والأعداء واضحة، وبات البقاء السياسي رهناً بالقدرة على خوض حروب بالوكالة في ساحات متعددة.










