تحركات تركية–سعودية لربط الخليج بأوروبا عبر مسار بري بديل قد يهمّش مشاريع إسرائيلية مدعومة أميركياً ويعيد رسم خرائط النفوذ الاقتصادي
الرياض – المنشر الإخباري
أفاد تقرير صحفي بأن مشروع ممر تجاري ولوجستي جديد تعمل عليه تركيا والسعودية بات يثير قلقاً واضحاً داخل دوائر صنع القرار في كيان الاحتلال الإسرائيلي، وسط تقديرات بأن هذا المسار المقترح قد يشكل تحولاً استراتيجياً في خريطة التجارة الإقليمية، ويعيد توزيع الأدوار الاقتصادية بين دول المنطقة، بما قد يحد من أهمية الموانئ الإسرائيلية ومشاريع الربط التي تعتمد عليها تل أبيب في تعزيز مكانتها كمركز عبور إقليمي.
وبحسب ما أوردته صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية، فإن أنقرة والرياض وقعتا خلال الفترة الأخيرة مذكرتي تفاهم تتعلقان بتوسيع التعاون في مجالات النقل البري والسكك الحديدية والخدمات اللوجستية، في خطوة تمهّد — وفق مراقبين — لإطلاق دراسة معمقة حول إمكانية إنشاء ممر بري يمتد من دول الخليج العربي مروراً بالأراضي السعودية، ثم عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى الأراضي التركية، ومنها إلى أوروبا عبر شبكات النقل التركية المتصلة بالقارة الأوروبية.
ورغم أن المشروع لم يُعلن رسمياً بصيغة نهائية، فإن مجرد طرحه على مستوى الاتفاقات الأولية أثار نقاشاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في إسرائيل، خصوصاً أنه يأتي في وقت تتزايد فيه المنافسة الإقليمية والدولية على السيطرة على مسارات التجارة العالمية وسلاسل الإمداد، التي أصبحت أحد أهم أدوات النفوذ الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.
ممر بديل لمشروع IMEC المدعوم أميركياً
يرى التقرير أن المشروع التركي–السعودي المحتمل قد يشكل بديلاً منافساً لمشروع “الممر الاقتصادي الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا” (IMEC)، الذي أُطلق بمشاركة الولايات المتحدة والهند والاحتلال الإسرائيلي وعدد من الدول الأوروبية والعربية، بهدف إنشاء مسار تجاري استراتيجي يربط آسيا بأوروبا عبر موانئ ومراكز لوجستية في الشرق الأوسط.
ويعتمد مشروع IMEC بشكل كبير على البنية التحتية البحرية الإسرائيلية، خاصة ميناء حيفا، الذي يُنظر إليه كأحد المراكز الحيوية في هذا المخطط، نظراً لموقعه على البحر المتوسط وقدرته على ربط الشحن البحري بالطرق البرية والسكك الحديدية المتجهة نحو أوروبا.
لكن الممر التركي–السعودي المقترح، في حال تنفيذه، قد يخلق مساراً بديلاً يمر عبر دول لا تشمل الأراضي المحتلة، ما يعني عملياً تقليص الاعتماد على إسرائيل كنقطة عبور، وإعادة توزيع حركة التجارة الإقليمية بعيداً عن موانئها.
قلق إسرائيلي من تراجع الدور اللوجستي
بحسب التقرير، فإن مسؤولين إسرائيليين يرون في هذا التطور المحتمل تهديداً مباشراً للدور اللوجستي الذي تسعى تل أبيب لترسيخه خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً في ظل محاولات دمجها بشكل أوسع في شبكات التجارة الإقليمية بعد اتفاقات التطبيع مع بعض الدول العربية.
وتشير التقديرات داخل الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية إلى أن أي نجاح للممر البديل قد يؤدي إلى تراجع تدريجي في أهمية الموانئ الإسرائيلية، ليس فقط كمحطات عبور، بل أيضاً كمراكز تخزين وإعادة توزيع للبضائع المتجهة بين آسيا وأوروبا.
كما أن المخاوف الإسرائيلية لا تقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى البعد الجيوسياسي، حيث يُنظر إلى مشاريع البنية التحتية الكبرى باعتبارها أدوات نفوذ طويلة الأمد، تعزز من قدرة الدول على فرض حضورها في النظام الإقليمي والدولي.
تقارب تركي–سعودي في سياق إقليمي متغير
يأتي هذا المشروع في وقت تشهد فيه العلاقات بين تركيا والسعودية تحسناً تدريجياً بعد سنوات من التوتر السياسي، حيث يسعى الطرفان إلى إعادة بناء التعاون الاقتصادي والاستثماري، بما يشمل مجالات الطاقة والسياحة والنقل والبنية التحتية.
ويرى محللون أن هذا التقارب يعكس تحولات أوسع في السياسات الإقليمية، حيث تتجه دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الاقتصادية بعيداً عن الاعتماد الكامل على القوى الغربية، مع التركيز على مشاريع الربط الإقليمي التي يمكن أن تعزز الاستقلال الاقتصادي وتقلل من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بالمسارات البحرية التقليدية.
وفي هذا السياق، يُعتبر الممر البري المحتمل بين الخليج وتركيا وأوروبا جزءاً من إعادة تشكيل أوسع للطرق التجارية العالمية، في ظل التنافس المتزايد بين ممرات متعددة تشمل “الحزام والطريق” الصيني، والممرات المدعومة أميركياً، والمشاريع الإقليمية الناشئة.
سوريا والأردن في قلب المعادلة
يمتد المسار المقترح عبر سوريا والأردن، وهو ما يمنحه بعداً سياسياً معقداً، نظراً لحساسية الأوضاع الأمنية في هذه المناطق، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية فيها.
ويرى مراقبون أن أي تقدم في هذا المشروع يتطلب استقراراً نسبياً في هذه الدول، أو على الأقل تفاهمات سياسية وأمنية تسمح بمرور آمن للبضائع والبنية التحتية، وهو ما يجعل المشروع مرتبطاً بشكل وثيق بالتطورات السياسية في المنطقة، خصوصاً في الملف السوري.
كما أن إدخال سوريا في مسار تجاري بهذا الحجم قد يمنحها دوراً اقتصادياً جديداً بعد سنوات من الحرب والعزلة، ما قد يغير من موقعها في خريطة التجارة الإقليمية إذا تم تنفيذ المشروع فعلياً.
IMEC تحت ضغط المنافسة
مشروع IMEC، الذي تم الترويج له باعتباره أحد أكبر مشاريع الربط الاقتصادي في العصر الحديث، يواجه بالفعل تحديات متعددة، من بينها التوترات الإقليمية المستمرة، والحروب في غزة ولبنان، إضافة إلى التنافس بين القوى الإقليمية على النفوذ في مسارات التجارة.
ويشير التقرير إلى أن ظهور بدائل إقليمية مثل الممر التركي–السعودي قد يزيد من الضغط على هذا المشروع، خاصة إذا أثبتت الدول المعنية قدرتها على توفير مسارات أكثر استقراراً أو أقل تكلفة أو أقل اعتماداً على الأطراف المتنازعة.
إعادة تشكيل خرائط النفوذ الاقتصادي
من منظور أوسع، يرى خبراء أن الصراع على الممرات التجارية لم يعد مجرد مسألة اقتصادية، بل أصبح جزءاً من إعادة تشكيل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، حيث تسعى كل قوة إقليمية إلى تعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا الإطار، يمثل الممر التركي–السعودي المحتمل محاولة لخلق محور اقتصادي جديد يمتد من الخليج إلى أوروبا، مروراً بمراكز جغرافية استراتيجية، بعيداً عن الهيمنة التقليدية لبعض المسارات البحرية والبرية.
كما أن هذا النوع من المشاريع يعكس تحوّلاً في مفهوم القوة، من القوة العسكرية المباشرة إلى القوة اللوجستية والاقتصادية، حيث أصبحت طرق التجارة والبنية التحتية عناصر حاسمة في تحديد النفوذ الدولي.
انعكاسات محتملة على إسرائيل
في حال تنفيذ المشروع، قد تواجه إسرائيل تحديات استراتيجية متعددة، أبرزها تراجع دورها في سلاسل التوريد الإقليمية، وتقليص الاستثمارات المرتبطة بمشاريع العبور الدولي، إضافة إلى فقدان جزء من قدرتها على التأثير في حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
كما قد يؤدي ذلك إلى إعادة تقييم أوسع لاستراتيجيتها الاقتصادية الإقليمية، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة من مشاريع بديلة لا تمر عبر أراضيها.
مستقبل غير محسوم
رغم كل هذه التقديرات، لا يزال المشروع في مرحلة أولية، ولم تصدر بعد أي إعلانات رسمية نهائية من تركيا أو السعودية بشأن تفاصيل التنفيذ أو الجداول الزمنية أو آليات التمويل.
ويرى محللون أن نجاح المشروع أو تعثره سيعتمد على عدة عوامل، أبرزها الاستقرار السياسي في دول العبور، وقدرة الأطراف على تأمين التمويل الضخم اللازم للبنية التحتية، إضافة إلى التوافقات الإقليمية والدولية التي قد تدعم أو تعرقل تنفيذ مثل هذه المشاريع الكبرى.
ومع ذلك، فإن مجرد طرح فكرة الممر يعكس بوضوح أن خريطة التجارة في الشرق الأوسط لم تعد ثابتة، وأن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من إعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، حيث تلعب الممرات التجارية دوراً محورياً في تحديد مستقبل العلاقات بين الدول، وليس فقط في حركة البضائع.










