توماس ماسي يفتح ملف النفوذ السياسي والمال الانتخابي في الولايات المتحدة بعد خسارته في الانتخابات التمهيدية، وسط اتهامات باستخدام حملات رقمية وذكاء اصطناعي للتأثير على الناخبين
واشنطن – المنشر_الاخباري
أثار عضو مجلس النواب الأميركي السابق عن ولاية كنتاكي، توماس ماسي، عاصفة سياسية وإعلامية داخل الولايات المتحدة بعد تصريحاته التي اتهم فيها جماعات ضغط مؤيدة لإسرائيل بإنفاق مبالغ ضخمة وصلت -بحسب تعبيره- إلى نحو “500 دولار لكل صوت” في محاولة منظمة لإسقاطه خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري التي جرت في 19 مايو/أيار الماضي، وانتهت بخسارته أمام منافسه إد غالرين.
وتأتي هذه التصريحات في سياق سياسي أميركي شديد الحساسية، يتقاطع فيه ملف التمويل الانتخابي مع قضايا السياسة الخارجية، وتحديدًا الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل، وهو ملف طالما أثار انقسامات داخل الحزبين الديمقراطي والجمهوري على حد سواء، لكنه ازداد حدة خلال السنوات الأخيرة مع صعود تيارات “أميركا أولًا” داخل اليمين الأميركي.
وقال ماسي في منشور مطوّل على منصة “إكس” إن ما وصفها بـ“جماعات اللوبي المؤيد لإسرائيل” لم تكتفِ بتمويل حملات انتخابية ضخمة لصالح خصومه، بل لجأت -بحسب تعبيره- إلى استخدام “أساليب دعائية عدوانية” تضمنت محتوى مضللًا، وفيديوهات تم إنتاجها عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى حملات شخصية استهدفت سمعته السياسية ومواقفه داخل الكونغرس.
وأضاف أن حجم الإنفاق الذي واجهه في الدائرة الانتخابية كان غير مسبوق، مشيرًا إلى أن “المال السياسي أصبح عنصرًا حاسمًا يفوق أحيانًا وزن الخطاب السياسي نفسه”، في إشارة إلى ما يعتبره اختلالًا في ميزان المنافسة الانتخابية داخل الولايات المتحدة.
وتعيد هذه التصريحات فتح نقاش واسع في واشنطن حول الدور المتنامي لجماعات الضغط السياسي، أو ما يُعرف بـ“اللوبيات”، في توجيه السياسات الداخلية والخارجية الأميركية، خاصة في القضايا المرتبطة بالشرق الأوسط، حيث يُنظر إلى إسرائيل باعتبارها أحد أكثر الملفات حساسية في بنية القرار الأميركي.
ويُعد ماسي من أبرز النواب الجمهوريين الذين تبنوا مواقف نقدية تجاه سياسات المساعدات العسكرية الأميركية لإسرائيل، حيث عارض في مناسبات متعددة حزم الدعم العسكري والمالي التي تقدمها واشنطن لتل أبيب، كما شكك في جدوى “الدعم غير المشروط” في ظل التوترات الإقليمية المستمرة.
هذا الموقف جعله في مواجهة مباشرة مع دوائر سياسية نافذة داخل الحزب الجمهوري، وكذلك مع شبكات دعم مالي وسياسي تنشط في تمويل الحملات الانتخابية داخل الولايات المتأرجحة، وهي شبكات غالبًا ما تلعب دورًا مؤثرًا في تحديد نتائج الانتخابات التمهيدية، التي تعد البوابة الأساسية للوصول إلى الكونغرس.
وبحسب تقارير سياسية أميركية، فإن حملة إد غالرين حظيت بدعم واسع من مانحين سياسيين كبار، من بينهم شخصيات معروفة في دوائر التبرعات الانتخابية، إضافة إلى مجموعات ضغط تعمل على تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في إطار سياسة تعتبر أن الدعم العسكري والسياسي لتل أبيب جزء من الأمن القومي الأميركي.
ورغم عدم تقديم ماسي أدلة تفصيلية علنية تثبت أرقامه بشأن حجم الإنفاق، فإن تصريحاته لاقت انتشارًا واسعًا داخل الأوساط السياسية والإعلامية، وأعادت تسليط الضوء على النقاش القديم الجديد حول شفافية التمويل الانتخابي في الولايات المتحدة، وحدود تأثير المال السياسي على العملية الديمقراطية.
وفي المقابل، يرى خصوم ماسي أن تصريحاته تأتي في إطار “خطاب سياسي تعبوي” يهدف إلى تفسير خسارته الانتخابية عبر تحميل أطراف خارجية المسؤولية، مؤكدين أن الانتخابات التمهيدية في كنتاكي كانت معركة سياسية داخلية تعكس توازنات الحزب الجمهوري أكثر من كونها نتيجة تدخل خارجي.
لكن هذا الجدل يتجاوز حدود هذه الانتخابات بعينها، ليصل إلى نقاش أوسع داخل الولايات المتحدة حول النفوذ المتزايد لجماعات الضغط في صياغة القرار السياسي، سواء في الكونغرس أو في البيت الأبيض، خاصة في ملفات السياسة الخارجية والدعم العسكري.
وفي السنوات الأخيرة، تصاعدت الانتقادات داخل بعض الأوساط الأكاديمية والسياسية من تأثير ما يُعرف بـ“اللوبيات المنظمة” على النظام السياسي الأميركي، حيث يرى البعض أن هذه الجماعات تمتلك قدرة كبيرة على توجيه الرأي العام وتمويل الحملات الانتخابية، بما يخلق اختلالًا في تكافؤ الفرص بين المرشحين.
وفي المقابل، يؤكد أنصار هذه الجماعات أن نشاطهم يندرج ضمن إطار حرية التعبير والمشاركة السياسية المكفولة في النظام الأميركي، وأن التبرعات الانتخابية تمثل جزءًا مشروعًا من العملية الديمقراطية، طالما تتم وفق القوانين المنظمة لتمويل الحملات.
وتكشف هذه القضية مرة أخرى عن عمق الانقسام داخل المشهد السياسي الأميركي، ليس فقط حول السياسة الخارجية، بل أيضًا حول طبيعة النظام الانتخابي نفسه، وحدود تأثير المال والإعلام وجماعات الضغط في تشكيل مخرجاته.
ومع استمرار الجدل حول تصريحات ماسي، يتوقع مراقبون أن تعود قضية التمويل السياسي إلى واجهة النقاش في الكونغرس خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع تصاعد الاستعدادات للانتخابات العامة المقبلة، وتزايد الاستقطاب بين التيارات السياسية المختلفة داخل الولايات المتحدة.










