في خطاب عسكري شديد اللهجة، القيادة الإيرانية تربط “الذكرى السنوية لحرب الـ12 يومًا” برسالة ردع جديدة تؤكد استمرار نهج المواجهة مع واشنطن وتل أبيب
طهران – المنشر الإخباري
أكد قائد القيادة المركزية لخاتم الأنبياء في إيران، اللواء علي عبد اللهي، أن بلاده لن تدخل في أي تسويات تمسّ سيادتها أو استقلالها أو أمنها، مشددًا على أن “الشعب الإيراني أثبت أنه لن يساوم على كرامته أمام أي قوة في العالم”، في رسالة تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية تتجاوز حدود الخطاب التقليدي إلى تثبيت معادلات الردع الإقليمي.
وجاءت تصريحات عبد اللهي في بيان رسمي صدر السبت، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمقتل اللواء علي شدماني، القائد السابق للقيادة المركزية، خلال ما يُعرف في الرواية الإيرانية بـ“حرب الـ12 يومًا”، وهي المواجهة التي اندلعت في 13 يونيو/حزيران 2025، عقب غارات إسرائيلية استهدفت مواقع عسكرية وعلمية داخل إيران، وأسفرت -وفق الرواية الإيرانية- عن مقتل عدد من كبار القادة والعلماء النوويين.
ويرسم الخطاب الإيراني الجديد سردية كاملة للحرب، باعتبارها لحظة تأسيسية في ما تسميه طهران “الدفاع المقدس الحديث”، حيث تقول إن البلاد واجهت “عدوانًا مشتركًا أمريكيًا-إسرائيليًا” استهدف قياداتها وبنيتها العلمية، قبل أن تتوسع المواجهة لاحقًا مع دخول الولايات المتحدة عبر ضربات جوية طالت منشآت نووية داخل إيران.
وفي هذا السياق، أعاد عبد اللهي التأكيد على أن إيران ردّت على تلك الضربات عبر استهداف مواقع استراتيجية في الأراضي التي تصفها طهران بـ“المحتلة”، إضافة إلى قاعدة العديد الجوية في قطر، والتي تُعد أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في منطقة غرب آسيا، في إشارة إلى اتساع نطاق المواجهة خارج الحدود التقليدية.
الخطاب الإيراني لم يقتصر على استعراض الماضي العسكري، بل حمل أيضًا رسالة سياسية واضحة تتعلق بالمستقبل، حيث شدد القائد العسكري على أن إيران ستواصل “مسار العزة والقوة والتقدم” بالاعتماد على ما وصفه بـ“الإيمان الإلهي، والقدرات الدفاعية المحلية، والوحدة الوطنية”، في تأكيد على استمرار نهج الاكتفاء العسكري وتطوير القدرات الذاتية.
ويعكس هذا التصعيد في الخطاب الرسمي الإيراني محاولة لتثبيت صورة الردع الاستراتيجي، خصوصًا في ظل التوترات المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي شهدت خلال العام الماضي سلسلة من الضربات والهجمات المتبادلة، أعادت رسم قواعد الاشتباك في المنطقة.
كما أشار البيان إلى ما وصفه بـ“الانتفاضة المعجزة” للشعب الإيراني دعمًا للقوات المسلحة خلال الحرب، في إشارة إلى حالة التعبئة الداخلية التي تعتبرها طهران عنصرًا أساسيًا في مواجهة الضغوط الخارجية، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية.
وفي جزء لافت من الخطاب، ربط القائد الإيراني بين تلك الأحداث وبين القيادة السياسية والدينية في البلاد، مؤكدًا الولاء للمرشد الأعلى، ومشددًا على أن “دماء الشهداء” تمثل رسالة واضحة للأعداء وللداخل الإيراني في آن واحد، في إطار يربط الأمن القومي بالبعد العقائدي.
ويأتي هذا الخطاب في وقت تشهد فيه المنطقة حالة من إعادة تشكل موازين القوى، خصوصًا مع استمرار التوتر في ملفات متعددة تشمل البرنامج النووي الإيراني، والوجود العسكري الأمريكي في الخليج، والصراع غير المباشر مع إسرائيل عبر ساحات إقليمية متعددة.
كما يعكس التصعيد اللفظي الإيراني استمرار اعتماد طهران على سياسة “الردع المتقدم”، التي تقوم على إظهار القدرة على ضرب مصالح الخصوم خارج الحدود، مقابل التأكيد على عدم قبول أي ضغوط قد تمس برنامجها الدفاعي أو استقلال قرارها الاستراتيجي.
وفي خلفية هذا المشهد، تواصل إيران التأكيد على أن برامجها الصاروخية والدفاعية “خط أحمر غير قابل للتفاوض”، وهو ما يضع أي مسار دبلوماسي مستقبلي مع الغرب أمام تعقيدات إضافية، خصوصًا في ظل التباين العميق حول مستقبل الملف النووي ودور إيران الإقليمي.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التصريحات تأتي أيضًا في إطار إدارة الرسائل السياسية الموجهة إلى الداخل والخارج معًا، حيث تسعى القيادة الإيرانية إلى تعزيز تماسك الجبهة الداخلية، وفي الوقت نفسه توجيه إشارات ردع إلى الخصوم الإقليميين والدوليين.
وبينما تواصل طهران التأكيد على “الاستقلال الاستراتيجي الكامل”، تبقى التفاعلات في المنطقة مفتوحة على احتمالات متعددة، في ظل استمرار سباق التسلح، وتعدد ساحات التوتر من الخليج إلى البحر الأحمر وصولًا إلى شرق المتوسط.
وفي المحصلة، يعكس الخطاب الإيراني الأخير استمرار اعتماد سياسة مزدوجة تقوم على التهدئة الدبلوماسية من جهة، والتصعيد الخطابي والعسكري من جهة أخرى، في معادلة تهدف إلى الحفاظ على هامش حركة واسع في مواجهة الضغوط الدولية المتزايدة.










