ناشطون وصحفيون ومحللون يرون أن مذكرة التفاهم بين طهران وواشنطن كشفت حدود القوة الأمريكية وأعادت رسم موازين النفوذ في الشرق الأوسط
طهران – المنشر_الاخباري
أثارت مذكرة التفاهم الموقعة بين إيران والولايات المتحدة، والتي دخلت حيز التنفيذ رسميًا بعد توقيع رئيسي البلدين عليها، موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث اعتبر العديد من الصحفيين والمحللين والناشطين أن الاتفاق يمثل تحولًا استراتيجيًا في موازين القوى الإقليمية، ويعكس تراجع قدرة واشنطن على فرض إرادتها على طهران.
وكانت المذكرة، المكونة من 14 بندًا، قد أُنجزت بعد أشهر من المفاوضات المكثفة بوساطة باكستان ودعم عدد من الدول الإقليمية، وتنص على إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ورفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، إلى جانب إطلاق مسار تفاوضي لمعالجة ملفات العقوبات والبرنامج النووي والقضايا الاقتصادية.
وفي أولى ردود الفعل البارزة، اعتبرت الصحفية اللبنانية رانيا خليك أن الغضب الذي أبداه بعض السياسيين والمعلقين الأمريكيين تجاه التنازلات الواردة في الاتفاق يعكس رفضهم الاعتراف بالواقع الجديد.
وقالت خليك عبر منصة “إكس” إن “الأشخاص الغاضبين من التنازلات التي اضطرت الولايات المتحدة لتقديمها لا يدركون أن واشنطن خسرت هذه الحرب”، مضيفة أن “الخسارة تجربة مهينة، لكن دعاة الحرب يعيشون حالة إنكار واضحة”.
من جانبه، رأى علي أبو نعمة، مدير موقع “الإنتفاضة الإلكترونية”، أن نشر نص الاتفاق من قبل الإدارة الأمريكية يمثل اعترافًا ضمنيًا بالواقع الميداني الجديد، معتبرًا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قدم “تنازلات كبيرة لإيران تعكس ميزان القوى الحقيقي بعد الهزيمة الأمريكية الإسرائيلية”.
أما الإعلامي البريطاني الشهير بيرس مورغان، فانتقد بشدة التصريحات السابقة التي تحدثت عن “استسلام غير مشروط” لإيران، مؤكدًا أن الاتفاق الحالي يثبت عكس ذلك تمامًا.
وقال مورغان إن الاتفاق “أبعد ما يكون عن مفهوم الاستسلام غير المشروط في تاريخ الكوكب”، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى أن ترامب أحسن صنعًا بإنهاء الأزمة، مضيفًا أن الرئيس الأمريكي ربما كان سيتجنب الدخول في هذه المواجهة لو أدرك منذ البداية حجم التعقيدات المحيطة بها.
وفي السياق نفسه، وصف مات دوس، نائب رئيس مركز السياسة الدولية في واشنطن، الحرب بأنها “هزيمة استراتيجية” للولايات المتحدة، معتبرًا أن الاتفاق قد يشكل فرصة لإعادة بناء علاقة أكثر طبيعية بين البلدين إذا جرى الالتزام ببنوده خلال المرحلة المقبلة.
أما المؤثر الأمريكي الشهير حسن بيكر، المعروف باسم “حسن آبي”، فذهب إلى أن إيران حسمت المعركة فعليًا عندما أقدمت على إغلاق مضيق هرمز ردًا على الهجمات الأمريكية، وهو الإجراء الذي امتنعت عنه طوال عقود رغم الضغوط والعقوبات الغربية.
وأكد أن طهران أبدت استعدادها للحلول الدبلوماسية منذ البداية، داعيًا الأصوات المطالبة بمواصلة الحرب إلى التراجع عن خطاب التصعيد.
من جهتها، رأت أستاذة العلوم السياسية في جامعة طهران ستاره صادقي أن الاتفاق يعكس نجاحًا مزدوجًا لإيران على المستويين العسكري والدبلوماسي.
وأوضحت أن طهران تدرك جيدًا أن الولايات المتحدة وحلفاءها الإقليميين قد يعودون إلى التصعيد في أي وقت، لكنها شددت على أن الاتفاق أثبت أن “الغطرسة الإمبريالية الأمريكية تلقت ضربة مؤلمة” وأن موازين القوى لم تعد كما كانت في السابق.
وفي قراءة اقتصادية للاتفاق، أشار الإعلامي الأمريكي ساغار إنجيتي إلى أن الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل يبلغ نحو 540 مليار دولار، في حين أن الاقتصاد الإيراني، رغم العقوبات، يقترب من 437 مليار دولار.
وأضاف أن رفع العقوبات وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار سيجعلان إيران لاعبًا اقتصاديًا واستراتيجيًا أكبر بكثير في المنطقة، معتبرًا أن هذا التحول يفسر حالة الانزعاج التي يبديها بعض المسؤولين الإسرائيليين تجاه الاتفاق.
أما المعلق السياسي الأمريكي نيكولاس فوينتس فاعتبر أن الولايات المتحدة “خسرت الحرب رسميًا” بعد توقيع الاتفاق، مشيرًا إلى أن واشنطن وافقت على تقديم حوافز اقتصادية ضخمة مقابل إعادة فتح مضيق هرمز واستقرار حركة التجارة العالمية.
ورأى أن النتيجة الأهم للاتفاق قد تكون إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، في ظل الانتقادات المتزايدة داخل الأوساط السياسية الأمريكية لمسار الحرب وتكاليفها.
بدوره، لفت الصحفي الأمريكي رايان غريم إلى تصريحات ترامب الأخيرة التي تساءل فيها عن أسباب حرمان إيران من امتلاك صواريخ باليستية في حين تمتلكها دول أخرى، معتبرًا أن هذه التصريحات تعكس تغيرًا في الخطاب السياسي الأمريكي تجاه طهران.
وأشار غريم إلى أن الإدارة الأمريكية وجدت نفسها أمام ضغوط اقتصادية متزايدة ومخاوف من اضطراب أسواق الطاقة العالمية، ما جعل إنهاء المواجهة خيارًا لا يمكن تجنبه.
ويأتي هذا التفاعل الواسع في وقت تتواصل فيه ردود الفعل الدولية على مذكرة التفاهم، التي يعتبرها مؤيدوها خطوة نحو الاستقرار الإقليمي، بينما يرى منتقدوها أنها تعكس تحولًا جوهريًا في ميزان القوة بين واشنطن وطهران، مع دخول الطرفين مرحلة جديدة من التفاوض حول الملفات العالقة خلال الأشهر المقبلة.










