خلافات داخل الاتحاد حول الحرب على إيران ولبنان تكشف انقساماً حاداً بين دول تطالب بالمحاسبة وأخرى ترفض أي إجراءات ضد تل أبيب
بروكسل- المنشر الاخبارى
تتعمّق الانقسامات داخل الاتحاد الأوروبي بشأن التعامل مع إسرائيل في ظل تصاعد الضغوط السياسية والدبلوماسية المتعلقة بالحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة، إذ كشف تقرير سياسي أن المستشار الألماني فريدريش ميرتس عطّل محاولات داخل الاتحاد لفرض عقوبات تجارية أو اقتصادية على إسرائيل، رغم مطالب متزايدة من عدة دول أوروبية باتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه سياسات تل أبيب في الأراضي الفلسطينية ولبنان.
وبحسب ما أوردته مصادر سياسية أوروبية، فإن عدداً من الدول الأعضاء، من بينها إيرلندا وإسبانيا وبلجيكا وسلوفينيا ولوكسمبورغ، دفعت باتجاه بحث إجراءات عقابية تشمل تقييد بعض أوجه التعاون التجاري مع إسرائيل، على خلفية الاتهامات الموجهة لها بارتكاب انتهاكات واسعة بحق الفلسطينيين، إضافة إلى تداعيات الحرب الإقليمية التي شاركت فيها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
لكن هذه الجهود اصطدمت بموقف ألماني حاسم داخل مؤسسات الاتحاد، حيث أكد المستشار الألماني رفضه مناقشة أي خطوات عقابية في هذا الاتجاه، ما أدى عملياً إلى تجميد النقاش داخل التكتل الأوروبي وعرقلة صدور أي قرارات موحدة.
ويرى مراقبون أن الموقف الألماني يعكس ثقل برلين داخل الاتحاد الأوروبي في ملفات السياسة الخارجية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، إذ تُعد ألمانيا من أكثر الدول تحفظاً تجاه فرض أي عقوبات على تل أبيب، بسبب اعتبارات تاريخية وسياسية معقدة.
في المقابل، تتصاعد الأصوات داخل البرلمان الأوروبي وبعض الحكومات الأوروبية التي تطالب بإعادة تقييم العلاقة مع إسرائيل، خصوصاً في ظل استمرار العمليات العسكرية في غزة ولبنان، والتي أدت إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين وتدمير واسع للبنية التحتية.
وتشير تقارير حقوقية دولية إلى أن الوضع الإنساني في مناطق النزاع بات “حرجاً للغاية”، مع تزايد الضغوط على الاتحاد الأوروبي لاتخاذ موقف أكثر وضوحاً من الانتهاكات الميدانية، وهو ما يضع المؤسسات الأوروبية أمام اختبار سياسي وأخلاقي صعب.
في السياق نفسه، أشار محللون إلى أن الموقف الأوروبي تجاه الحرب الأخيرة على إيران كشف عن فجوة داخلية أعمق في سياسات الاتحاد الخارجية، حيث اكتفى التكتل ببيانات دبلوماسية محدودة دون اتخاذ خطوات عملية لوقف التصعيد أو مساءلة الأطراف المنخرطة في الحرب.
وتتهم بعض الأصوات داخل أوروبا الاتحاد بأنه يتعامل بازدواجية معايير في قضايا الشرق الأوسط، إذ يتم فرض عقوبات صارمة على روسيا بسبب حرب أوكرانيا، بينما يتم التردد في اتخاذ إجراءات مماثلة تجاه إسرائيل رغم حجم العمليات العسكرية والتداعيات الإنسانية.
وفي تطور متصل، نقلت مصادر دبلوماسية أن بعض مسؤولي السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي حذروا من أن استمرار الانقسام الحالي قد يضعف قدرة التكتل على لعب دور مؤثر في أي تسوية مستقبلية في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تراجع الثقة بين الدول الأعضاء حول آليات اتخاذ القرار المشترك.
كما أشار دبلوماسيون إلى أن النقاش حول العقوبات على إسرائيل لن يُحسم قريباً، نظراً لتباين المواقف بين العواصم الأوروبية الكبرى، حيث تميل ألمانيا وفرنسا إلى نهج أكثر حذراً، بينما تدفع دول شمال وغرب أوروبا نحو تشديد الضغط السياسي والاقتصادي.
وتأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة توتراً متصاعداً على عدة جبهات، من لبنان إلى غزة، مروراً بالتوترات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل الموقف الأوروبي جزءاً من معادلة دولية معقدة تتداخل فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ويرى خبراء أن استمرار العجز الأوروبي عن التوصل إلى موقف موحد قد يؤدي إلى تآكل نفوذ الاتحاد على الساحة الدولية، خاصة في الملفات المتعلقة بالشرق الأوسط، حيث تتسارع التطورات الميدانية بشكل يفوق قدرة الدبلوماسية الأوروبية على المواكبة.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية الأوروبية: هل يستطيع الاتحاد الأوروبي تجاوز انقساماته الداخلية وتبني سياسة خارجية موحدة تجاه إسرائيل، أم أن الخلافات بين دوله ستستمر في تعطيل أي تحرك جماعي في المستقبل القريب؟
ومع استمرار الجدل داخل مؤسسات الاتحاد، تبدو الأزمة مرشحة للتصاعد، خصوصاً مع تزايد الضغوط الشعبية والبرلمانية في عدد من الدول الأوروبية الداعية إلى ربط العلاقات مع إسرائيل بمدى التزامها بالقانون الدولي ووقف العمليات العسكرية في مناطق النزاع.
وبينما تتمسك بعض العواصم الأوروبية بمبدأ “الحوار بدل العقوبات”، ترى أطراف أخرى أن الوقت قد حان لاتخاذ خطوات عملية أكثر صرامة، ما يجعل ملف العلاقة مع إسرائيل واحداً من أكثر القضايا إثارة للانقسام داخل الاتحاد الأوروبي في المرحلة الحالية.










