تصعيد عسكري غير مسبوق جنوب لبنان يثير تساؤلات حول أهداف السيطرة على المرتفعات الاستراتيجية شرق النبطية وتداعيات خرق التهدئة
بيروت
تشهد منطقة جنوب لبنان تصعيداً عسكرياً هو الأعنف منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، في ظل استمرار الغارات الجوية الإسرائيلية المكثفة على محيط مدينة النبطية وبلداتها الشرقية، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار الذي كان يُفترض أن يضع حداً للتوترات الميدانية بين إسرائيل وحزب الله.
وتركزت العمليات الإسرائيلية خلال الساعات الماضية بشكل خاص على تلال “علي الطاهر” الاستراتيجية شرق النبطية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لفرض واقع ميداني جديد على الأرض، وسط مؤشرات على أن هذه المرتفعات باتت محوراً رئيسياً في حسابات الجيش الإسرائيلي العسكرية والأمنية في المرحلة الحالية.
وبحسب الدفاع المدني اللبناني، فقد أسفرت الغارات الإسرائيلية المكثفة منذ صباح السبت عن مقتل 16 شخصاً وإصابة 12 آخرين بجروح متفاوتة، إضافة إلى عمليات إجلاء طالت 47 مدنياً من القرى والمناطق المحيطة بمسرح العمليات، في وقت تضررت فيه منازل وبنى تحتية بشكل واسع نتيجة القصف الجوي.
أهمية استراتيجية تتجاوز الجغرافيا
تُعد تلال “علي الطاهر” من أبرز المرتفعات الحاكمة في جنوب لبنان، حيث توفر إشرافاً جغرافياً واسعاً على مناطق النبطية وما يحيط بها، وتمتد نقاط الرصد منها لتغطي مساحات واسعة من العمق الحدودي مع إسرائيل.
وتشير تقديرات عسكرية إلى أن السيطرة على هذه التلال تمنح أي طرف تفوقاً ميدانياً واضحاً، سواء من حيث القدرة على الرصد المباشر أو تشغيل وسائل الاستطلاع والمراقبة، أو حتى إدارة عمليات نارية دقيقة في حال اندلاع اشتباكات مفتوحة.
ويرى خبراء عسكريون أن طبيعة التضاريس في هذه المنطقة تجعل من “المرتفعات الحاكمة” عنصر الحسم الأساسي في أي مواجهة طويلة الأمد، ما يفسر التركيز الإسرائيلي المتزايد على هذا المحور خلال المرحلة الحالية.
خرق لوقف إطلاق النار أم إعادة رسم للواقع؟
ورغم الإعلان عن وقف إطلاق النار ودخوله حيّز التنفيذ، فإن التطورات الميدانية تشير إلى استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية بوتيرة متصاعدة، خصوصاً في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، حيث تتركز الضربات الجوية بشكل متكرر على محيط النبطية.
هذا التصعيد يطرح تساؤلات جدية حول مدى التزام الأطراف باتفاق التهدئة، وما إذا كانت إسرائيل تسعى إلى إعادة رسم خطوط السيطرة الميدانية عبر عمليات محدودة لكنها مركزة، تسبق أي تسوية سياسية أو تفاهمات أمنية أوسع في المنطقة.
وتعتبر مصادر سياسية لبنانية أن استمرار الغارات على تلال “علي الطاهر” لا يمكن فصله عن محاولات فرض “أمر واقع جديد” على الأرض، عبر خلق مناطق ضغط عسكري مستمرة في محيط خطوط التماس.
حصيلة بشرية وضغط إنساني متصاعد
على الصعيد الإنساني، يزداد الوضع في جنوب لبنان تعقيداً مع ارتفاع عدد الضحايا المدنيين نتيجة القصف المكثف، إلى جانب موجات نزوح متكررة من القرى القريبة من مناطق الاستهداف.
وأكد الدفاع المدني اللبناني أن عمليات الإنقاذ ما تزال مستمرة في عدد من البلدات المتضررة، في ظل صعوبة الوصول إلى بعض المناطق بسبب استمرار التحليق الجوي والطائرات المسيرة الإسرائيلية في الأجواء.
كما أفادت تقارير محلية بأن العديد من العائلات اضطرت إلى مغادرة منازلها بشكل عاجل، وسط مخاوف من توسع رقعة الاستهداف لتشمل مناطق أوسع في محيط النبطية.
حسابات عسكرية معقدة
يرى محللون أن تركيز إسرائيل على هذا المحور الجغرافي يعكس تحولاً في أولوياتها العسكرية على الجبهة الشمالية، حيث أصبحت المرتفعات الشرقية للنبطية تمثل نقطة مراقبة حساسة في أي سيناريو تصعيدي محتمل مع حزب الله.
وتشير التقديرات إلى أن السيطرة أو تعطيل هذه التلال قد يمنح الجيش الإسرائيلي قدرة أكبر على تقليص هامش الحركة الميدانية لحزب الله في العمق الجنوبي، إضافة إلى تحسين قدرات الاستطلاع المبكر.
في المقابل، يعتبر حزب الله أن هذه المناطق تدخل ضمن “خطوط الدفاع المتقدمة”، وأن أي محاولة لتغيير وضعها الميداني ستواجه برد مباشر، ما يرفع منسوب المخاطر في حال استمرار التصعيد.
بين الردع والانفجار
على الرغم من التفاهمات غير المباشرة التي أدت إلى وقف إطلاق النار، فإن المشهد الحالي يعكس هشاشة هذه الترتيبات، في ظل استمرار العمليات العسكرية المتقطعة وتبادل الرسائل الميدانية بين الأطراف.
ويحذر مراقبون من أن استمرار القصف على هذا النحو قد يؤدي إلى انهيار كامل لمسار التهدئة، وفتح الباب أمام جولة جديدة من المواجهات الواسعة، خاصة إذا توسعت رقعة الاشتباك أو ارتفع عدد الضحايا المدنيين بشكل أكبر.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى تلال “علي الطاهر” أكثر من مجرد نقطة جغرافية، إذ تحولت إلى رمز لصراع أوسع على النفوذ والردع في جنوب لبنان، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع التوازنات السياسية الدقيقة في المنطقة.










