تقارير استخباراتية وأقمار صناعية تشير إلى أضرار كبيرة في قاعدة الأسطول الخامس تدفع البنتاغون لإعادة تقييم انتشاره العسكري في غرب آسيا
عمان – المنشر_الاخباري
تدرس الولايات المتحدة إعادة تموضع جزء من قواتها البحرية في منطقة غرب آسيا، بما في ذلك نقل بعض أصول الأسطول الخامس من البحرين إلى قواعد داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في تطور يعكس حجم التحديات الأمنية التي تواجهها واشنطن في الخليج بعد سلسلة ضربات إيرانية وصفت بأنها غير مسبوقة من حيث الدقة والتأثير.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال، فإن مسؤولين في البنتاغون يدرسون خيارات لإعادة توزيع الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، في ظل ما تعتبره واشنطن “تغيراً في معادلة الردع” بعد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة التي نفذتها إيران خلال الحرب الأخيرة في المنطقة.
أضرار واسعة في البحرين تكشف هشاشة البنية العسكرية الأميركية
وتشير بيانات مستندة إلى صور أقمار صناعية، نشرتها مصادر دفاعية أوروبية، إلى أن القاعدة الرئيسية للأسطول الخامس الأميركي في البحرين تعرضت لأضرار كبيرة عقب الضربات الإيرانية، حيث طالت الهجمات منشآت اتصالات متقدمة، وثكنات عسكرية، ومستودعات لوجستية، وأنظمة مياه وبنية تحتية حيوية.
وتقدر مصادر عسكرية أن الخسائر المباشرة في القاعدة وصلت إلى نحو 400 مليون دولار، في حين تشير تقديرات أوسع إلى أن التكلفة الإجمالية لإعادة التأهيل قد تكون أعلى بكثير، بالنظر إلى حجم الأضرار التي شملت مبانٍ باتت غير صالحة للاستخدام العسكري.
وتقول تقارير إن بعض المنشآت تعرضت لدمار واسع أدى إلى شلل جزئي في قدرات الاتصال والتنسيق داخل القاعدة، ما أثار تساؤلات داخل المؤسسة العسكرية الأميركية حول مدى قدرة البنية الحالية على الصمود أمام هجمات مماثلة في المستقبل.
إيران تعيد رسم قواعد الاشتباك في الخليج
وبحسب تحليل عسكري متداول داخل مراكز أبحاث غربية، فإن الضربات الإيرانية لم تكن مجرد رد عسكري، بل حملت رسالة استراتيجية مفادها أن القواعد الأميركية في الخليج لم تعد في “منطقة آمنة”، وأن أي مواجهة مستقبلية قد تشمل استهدافاً مباشراً للبنية التحتية العسكرية الأميركية في عمق المنطقة.
وتشير تقارير إلى أن الهجمات استهدفت بشكل دقيق مراكز قيادة واتصالات، ما أدى إلى تعطيل جزئي في منظومة التحكم بالعمليات البحرية الأميركية في الخليج وبحر عمان والبحر الأحمر، وهي مناطق تشرف عليها قيادة الأسطول الخامس.
واشنطن تبحث عن “عمق دفاعي” جديد
في ضوء هذه التطورات، كشفت مصادر عسكرية أميركية أن البنتاغون كلف فرقاً هندسية بإعداد تصاميم لإنشاء مركز قيادة محصن تحت الأرض في البحرين، بهدف تقليل تعرضه لهجمات صاروخية أو بطائرات مسيّرة في المستقبل.
كما يجري بحث إمكانية تقليص الوجود العسكري الأميركي في عدد من دول الخليج العربي، بما في ذلك الكويت والسعودية والإمارات، مع إعادة توزيع بعض القدرات نحو مواقع تعتبرها واشنطن أكثر تحصيناً.
وتذهب بعض الطروحات داخل دوائر القرار العسكري الأميركي إلى خيار توسيع الوجود في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث سبق خلال الحرب الأخيرة نشر عشرات الطائرات العسكرية في محيط مطار بن غوريون، ما يعكس تحولاً تدريجياً في خريطة الانتشار الأميركي في المنطقة.
كلفة الحرب تضغط على البنتاغون
وبالتوازي مع إعادة الانتشار المحتملة، يواجه البنتاغون ضغوطاً مالية متزايدة، إذ طلب نحو 80 مليار دولار إضافية لتغطية نفقات مرتبطة بالحرب الأخيرة ضد إيران، في وقت يدفع فيه وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث باتجاه رفع ميزانية الدفاع إلى مستوى غير مسبوق يصل إلى 1.5 تريليون دولار.
وتأتي هذه المطالب في ظل جدل داخلي في الكونغرس حول أولويات الإنفاق، خصوصاً مع تصاعد الانتقادات لسياسات التوسع العسكري في الخارج على حساب الملفات الداخلية.
قاعدة الأسطول الخامس: قلب العمليات في منطقة مضطربة
ويُعد الأسطول الخامس الأميركي المتمركز في البحرين أحد أهم مراكز القيادة البحرية للولايات المتحدة، إذ يشرف على عمليات تمتد من الخليج العربي إلى بحر عمان والبحر الأحمر وأجزاء من المحيط الهندي، ضمن مساحة عمليات تتجاوز 6.5 مليون كيلومتر مربع.
ويؤدي هذا الأسطول دوراً محورياً في العمليات العسكرية الأميركية في غرب آسيا، بما في ذلك إدارة الدوريات البحرية وحماية خطوط الملاحة وتنسيق العمليات الجوية والبحرية في مناطق النزاع.
لكن الضربات الأخيرة، بحسب محللين، أظهرت أن هذا الانتشار الواسع لم يعد يضمن تفوقاً مطلقاً، في ظل تطور قدرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة لدى إيران، والتي باتت قادرة على الوصول إلى أهداف تعتبر حتى وقت قريب “محصنة استراتيجياً”.
إعادة تشكيل التوازن الإقليمي
وتفتح هذه التطورات الباب أمام إعادة رسم أوسع لمعادلات القوة في الخليج، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع التحولات السياسية الجارية في المنطقة، بما في ذلك التفاهمات بين طهران وواشنطن حول خفض التصعيد وإدارة الملفات البحرية.
كما يرى مراقبون أن أي إعادة انتشار أميركي واسعة ستعكس إدراكاً متزايداً داخل المؤسسة العسكرية الأميركية بأن نمط الوجود التقليدي في الخليج لم يعد فعالاً بالشكل السابق، في ظل تغير طبيعة التهديدات وانتقالها من مواجهات تقليدية إلى ضربات دقيقة بعيدة المدى.
وفي الوقت الذي لم يصدر فيه تعليق رسمي حاسم من البنتاغون حول تفاصيل إعادة التموضع، تشير المعطيات إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تحولاً تدريجياً في خريطة الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، بما يعكس تأثير المواجهة الأخيرة على مستقبل التوازن الاستراتيجي في الخليج.









