رغم استمرار انخفاض معدلات البطالة رسميًا، يكشف أحدث استطلاع للرأي عن تصاعد غير مسبوق في التشاؤم داخل روسيا، مع انهيار الثقة في الاقتصاد ومؤسسات الدولة ووسائل الإعلام، في مؤشر يعكس التداعيات العميقة لاستمرار الحرب وتزايد الضغوط الاقتصادية.
موسكو – المنشر_الاخباري
كشفت نتائج استطلاع حديث للرأي عن تراجع حاد في ثقة المواطنين الروس بالأوضاع الاقتصادية وفرص العمل، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات متزايدة نتيجة استمرار الحرب وتداعياتها على الاقتصاد المحلي، رغم استمرار المؤشرات الرسمية التي تُظهر انخفاض معدلات البطالة.
وأظهر الاستطلاع أن نسبة الروس الذين يعتقدون بوجود فرص قوية للحصول على وظائف هبطت بشكل كبير مقارنة بالعام الماضي، بعد أن كانت قد سجلت مستوى قياسيا بلغ 51 بالمئة، وهو أعلى معدل تفاؤل منذ الأزمة المالية العالمية التي شهدها العالم بين عامي 2008 و2009.
ويعكس هذا الانخفاض الحاد تحولا واضحا في المزاج العام داخل روسيا، إذ بات المواطنون أكثر تشاؤما بشأن مستقبل سوق العمل، رغم استمرار الحكومة في الإعلان عن انخفاض معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية.
ويرى مراقبون أن انخفاض البطالة الرسمية لا يعكس بالضرورة قوة الاقتصاد الروسي، وإنما يرتبط بعوامل استثنائية فرضتها الحرب، أبرزها عمليات التعبئة العسكرية المستمرة، إضافة إلى النقص الحاد في اليد العاملة بعد انتقال أعداد كبيرة من العمال إلى الخدمة العسكرية أو مغادرتهم البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويؤكد خبراء أن الفجوة بين المؤشرات الرسمية وبين شعور المواطنين تكشف عن أزمة أعمق داخل الاقتصاد الروسي، حيث أصبح نقص العمالة ناتجا عن ظروف الحرب أكثر من كونه نتيجة ازدهار اقتصادي حقيقي أو توسع في الاستثمارات والإنتاج.
ولا يقتصر التراجع على النظرة إلى الاقتصاد فقط، بل امتد ليشمل مؤسسات الدولة الرئيسية، في مؤشر على اتساع دائرة القلق داخل المجتمع الروسي.
فقد أظهر الاستطلاع انخفاض الثقة بالمؤسسة العسكرية بمقدار 13 نقطة خلال عام واحد، لتتراجع إلى 66 بالمئة، وهو أكبر انخفاض سنوي يتم تسجيله في هذا المؤشر منذ سنوات.
كما تراجعت الثقة بالحكومة الروسية بصورة ملحوظة، إذ انخفضت بنسبة 14 نقطة لتصل إلى 53 بالمئة، وهو ما يعكس تنامي التساؤلات بشأن قدرة السلطات على إدارة الأوضاع الاقتصادية والسياسية في ظل استمرار النزاع.
وشمل التراجع أيضا الثقة بالعملية الانتخابية، إذ هبطت مستويات الثقة بنزاهة الانتخابات بمقدار 16 نقطة لتصل إلى 40 بالمئة، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ بدء قياس هذا المؤشر.
أما أكثر المؤشرات إثارة للانتباه فكان الانخفاض الكبير في الثقة بحرية وسائل الإعلام، حيث سجلت تراجعا قياسيا بلغ 25 نقطة دفعة واحدة، لتنخفض من مستوى تاريخي وصل إلى 59 بالمئة إلى 34 بالمئة فقط، في أكبر تراجع بين جميع مؤسسات الدولة التي شملها الاستطلاع.
ويرى محللون أن هذا الانخفاض يعكس اتساع حالة الشك داخل المجتمع الروسي بشأن قدرة وسائل الإعلام على نقل صورة واقعية للأوضاع، في ظل القيود المفروضة على التغطيات الإعلامية المرتبطة بالحرب والملفات الداخلية.
وتشير النتائج إلى أن الأزمة لم تعد تقتصر على المؤشرات الاقتصادية، بل امتدت إلى ثقة المواطنين في المؤسسات التي تشكل ركائز النظام السياسي والإداري، وهو ما يزيد من الضغوط التي تواجهها الحكومة الروسية.
وفي سياق متصل، اعتبر مراقبون أن تقليص الاحتفالات الخاصة بـ”يوم النصر” في موسكو خلال شهر مايو الماضي عكس بصورة رمزية استمرار حالة الاستنزاف العسكري، بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، التي لم تحقق حتى الآن حسمًا نهائيًا.
ويقول خبراء إن موجة الحماس الشعبي التي صاحبت بداية العمليات العسكرية بدأت تتراجع تدريجيا، لتحل محلها مخاوف اقتصادية واجتماعية متزايدة، خاصة مع استمرار ارتفاع الإنفاق العسكري وتراجع الاستثمارات المدنية.
وكان مسؤولون روس قد أقروا خلال الأشهر الماضية بأن الاقتصاد الروسي يواجه حالة من “السخونة المفرطة”، نتيجة الضغوط الكبيرة على سوق العمل، وارتفاع الإنفاق الحكومي، ونقص الأيدي العاملة، وهو ما ينعكس على معدلات التضخم والإنتاج.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الاقتصاد في الاعتماد بصورة متزايدة على الصناعات العسكرية قد يوفر دعما مؤقتا للنشاط الاقتصادي، لكنه لا يمثل نموذجا مستداما على المدى الطويل، خاصة في ظل تقلص الاستثمارات في القطاعات الإنتاجية الأخرى.
كما يحذر محللون من أن استمرار الحرب دون أفق واضح للتسوية قد يؤدي إلى تعميق الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، مع تراجع القدرة الشرائية للمواطنين، واستمرار نقص العمالة، وتزايد الضغوط على المالية العامة للدولة.
وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن السلطات الروسية تواجه تحديا مزدوجا يتمثل في الحفاظ على استقرار الاقتصاد من جهة، واستعادة ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة من جهة أخرى، في ظل استمرار الظروف الاستثنائية التي فرضها النزاع.
ويرى مراقبون أن المؤشرات الحالية تعكس بداية تحول في المزاج الشعبي الروسي، حيث لم تعد المؤشرات الاقتصادية الرسمية وحدها كافية لإقناع المواطنين بتحسن الأوضاع، مع اتساع الفجوة بين الأرقام الحكومية والانطباعات اليومية لدى الشارع.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار الحرب وما تفرضه من أعباء مالية وبشرية يضع الاقتصاد الروسي أمام تحديات متراكمة، بينما تبدو خيارات الحكومة محدودة بين مواصلة الإنفاق العسكري للحفاظ على وتيرة العمليات، أو محاولة إعادة التوازن للاقتصاد، وهو ما قد يتطلب إصلاحات صعبة وتكاليف سياسية واقتصادية مرتفعة.










