منظمات حقوقية تتهم السلطات في الشرق والغرب بتكثيف حملات الاحتجاز والترحيل في بيئة يغلب عليها الخطاب المعادي للمهاجرين وغياب الضمانات القانونية
طرابلس – المنشر_الاخباري
تصاعد غير مسبوق في حملات المهاجرين
تشهد ليبيا منذ مطلع يونيو 2026 تصعيداً حاداً في التعامل مع ملف الهجرة غير النظامية، بعد موجة احتجاجات واسعة في طرابلس وعدد من المدن، طالبت بطرد المهاجرين ورفض أي تسويات تتعلق بإقامتهم داخل البلاد.
وانطلقت الاحتجاجات أمام مقر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، حيث تجمّع مئات المحتجين وسط أجواء مشحونة، بعد انتشار شائعات تتحدث عن نية الأمم المتحدة توطين المهاجرين بشكل دائم في ليبيا، وهي معلومات نفتها لاحقاً جهات أممية رسمياً.
ومع توسع الاحتجاجات، بدأت السلطات في شرق وغرب البلاد بتكثيف إجراءاتها الأمنية، ما أدى إلى تصاعد عمليات الاعتقال والترحيل خلال فترة زمنية قصيرة.
اعتقالات واسعة وترحيلات دون إجراءات فردية
وفقاً لتقارير حقوقية وأممية، نفذت الأجهزة الأمنية في مختلف المناطق الليبية حملات اعتقال جماعية استهدفت المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء، غالباً دون مذكرات توقيف أو مراجعة قانونية فردية.
وتشير المعطيات إلى أن آلاف الأشخاص جرى احتجازهم خلال عمليات ميدانية، قبل نقلهم إلى مراكز احتجاز تفتقر إلى شروط الإقامة الإنسانية الأساسية، بما في ذلك الاكتظاظ ونقص الغذاء والرعاية الطبية.
وفي بعض الحالات، تم ترحيل مجموعات كبيرة من المهاجرين إلى دول الجوار أو عبر الحدود الجنوبية، في عمليات وُصفت بأنها “جمعية” ولا تراعي التقييم الفردي لوضع كل شخص.
كما أفادت تقارير بأن بعض المرحّلين تُركوا في مناطق صحراوية خطرة، ما عرض حياتهم لمخاطر جسيمة.
خطاب سياسي يغذي الأزمة
تزامن التصعيد الأمني مع خطاب سياسي متزايد الحدة في ليبيا، حيث عبّرت جهات رسمية في الشرق والغرب عن رفضها لوجود المهاجرين غير النظاميين، وربطت بينهم وبين تهديدات أمنية وديموغرافية.
وفي تصريحات متتالية، شددت سلطات محلية على أن ملف الهجرة يمثل أولوية أمنية، مع التركيز على ما وصفته بـ“تنظيم الوجود الأجنبي” وتعزيز الرقابة على الحدود.
هذا الخطاب، وفق مراقبين، ساهم في خلق مناخ عام عدائي تجاه المهاجرين، انعكس على الأرض في شكل احتجاجات وعمليات أمنية موسعة.
اتهامات بانتهاكات حقوقية خطيرة
منظمات حقوق الإنسان، بما في ذلك هيئات دولية، حذرت من أن الوضع في ليبيا يشهد انتهاكات ممنهجة بحق المهاجرين، تشمل الاعتقال التعسفي، وسوء المعاملة، وظروف احتجاز غير إنسانية.
وتشير تقارير أممية إلى أن العديد من مراكز الاحتجاز في ليبيا تعمل خارج إطار قانوني واضح، ما يجعل المهاجرين عرضة لانتهاكات متعددة دون أي رقابة قضائية فعالة.
كما وثقت تقارير سابقة حالات ضرب وتعذيب وابتزاز داخل بعض هذه المراكز، إضافة إلى نقص حاد في الخدمات الطبية والغذائية.
وتحذر هذه المنظمات من أن استمرار الوضع الحالي قد يرقى في بعض الحالات إلى جرائم خطيرة بموجب القانون الدولي.
ليبيا كمحور للهجرة غير النظامية
تُعد ليبيا أحد أبرز مسارات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، حيث يستخدمها آلاف المهاجرين من أفريقيا والشرق الأوسط كنقطة عبور نحو البحر المتوسط.
وتشير تقديرات أممية إلى وجود مئات الآلاف من المهاجرين داخل الأراضي الليبية، بينهم لاجئون فارّون من نزاعات مسلحة في السودان ودول أخرى في المنطقة.
وتتداخل في ليبيا شبكات تهريب معقدة، ما يجعل المهاجرين عرضة للاستغلال والابتزاز والاحتجاز القسري خلال رحلتهم.
وفي ظل غياب نظام لجوء رسمي متكامل، تبقى أوضاع هؤلاء الأشخاص معلّقة بين الاعتقال أو الترحيل أو محاولة العبور نحو أوروبا.
الأمم المتحدة بين النفي والضغط الميداني
أكدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أن المزاعم حول إعادة توطين المهاجرين داخل ليبيا لا أساس لها من الصحة، مشددة على أن دورها يقتصر على الحماية والمساعدات الإنسانية.
كما أوضحت المنظمة الدولية للهجرة أنها تواصل تنفيذ برامج العودة الطوعية، التي تهدف إلى تسهيل مغادرة المهاجرين بشكل آمن إلى بلدانهم الأصلية.
ورغم ذلك، تواجه الوكالات الأممية ضغوطاً متزايدة داخل ليبيا، مع احتجاجات تطالب بوقف نشاطها أو تقليص وجودها، في ظل تصاعد التوتر السياسي والاجتماعي حول ملف الهجرة.
انقسام داخلي وتعقيد المشهد الليبي
يعكس التعامل مع ملف الهجرة في ليبيا حالة الانقسام السياسي والمؤسسي بين الشرق والغرب، حيث تتباين الهياكل الأمنية والإدارية، رغم وجود تقاطعات في السياسات العامة تجاه المهاجرين.
ويؤدي هذا الانقسام إلى تنفيذ سياسات متوازية في بعض الأحيان، تشمل الاعتقال والترحيل، دون وجود إطار وطني موحد أو آلية رقابة مركزية فعالة.
كما أن وجود جماعات مسلحة فاعلة على الأرض يزيد من تعقيد الوضع، ويجعل المهاجرين في كثير من الأحيان خارج أي حماية قانونية حقيقية.
دعوات دولية لوقف الانتهاكات
دعت منظمات دولية الاتحاد الأوروبي والمجتمع الدولي إلى إعادة النظر في التعاون الأمني مع ليبيا، وربط أي دعم بوجود ضمانات واضحة لاحترام حقوق الإنسان.
كما طالبت هذه المنظمات بوقف عمليات الترحيل الجماعي، وضمان تقييم فردي لكل حالة، وتوفير الحماية القانونية للمهاجرين وطالبي اللجوء.
وتؤكد هذه الجهات أن استمرار السياسات الحالية دون إصلاحات جوهرية قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية في البلاد.
ملف مفتوح على مزيد من التصعيد
يبقى ملف الهجرة في ليبيا أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة، نظراً لتداخل العوامل الأمنية والسياسية والاقتصادية، وارتباطه المباشر بالهجرة نحو أوروبا.
ومع استمرار الاحتجاجات والعمليات الأمنية، يبدو أن الأزمة مرشحة لمزيد من التصعيد خلال الفترة المقبلة، ما لم يتم التوصل إلى مقاربة شاملة تعالج جذور المشكلة وتضمن احترام حقوق المهاجرين.









