تقرير تحليلي يكشف اتساع الفجوة بين نهج أبوظبي وتل أبيب تجاه الملف السوري، وسط تحركات سياسية واقتصادية تعيد رسم خرائط النفوذ في مرحلة ما بعد الأسد
دمشق – المنشر الإخباري
تشهد الساحة السورية تحولات متسارعة تكشف عن تباين متزايد في مقاربات القوى الإقليمية، خصوصاً بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، رغم ما يجمعهما من شراكة استراتيجية في ملفات متعددة بالشرق الأوسط.
وبحسب تحليل الموقع ، فإن سوريا باتت تمثل اختباراً حقيقياً لمدى تماسك التنسيق بين أبوظبي وتل أبيب، في ظل اختلاف واضح في الرؤية حول مستقبل الدولة السورية وكيفية التعامل معها.
نهجان متعاكسان تجاه دمشق
يرى التقرير أن إسرائيل تتعامل مع سوريا ما بعد مرحلة الأسد بوصفها ملفاً أمنياً بالدرجة الأولى، حيث تعتمد على أدوات الضغط العسكري والعمليات المحدودة في الجنوب السوري، بهدف منع ترسخ أي قوة تعتبرها تهديداً مباشراً على حدودها.
في المقابل، تتجه الإمارات نحو مقاربة مختلفة، تقوم على إعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإقليمي، مع التركيز على الاستقرار وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي على دمشق.
من التحفظ إلى الانخراط
يشير التحليل إلى أن أبوظبي بدأت موقفها من سوريا بعد مرحلة الأسد بحذر واضح، نتيجة مخاوف تتعلق بطبيعة القوى السياسية الجديدة، خصوصاً تلك المنبثقة عن الفصائل الإسلامية.
لكن هذا الموقف شهد تحولاً تدريجياً مع تعزيز الحكومة السورية الجديدة لسيطرتها الداخلية، وتزايد الاعتراف الإقليمي بها، ما دفع الإمارات إلى إعادة تقييم سياستها.
كما ساهم دخول أطراف إقليمية أخرى مثل تركيا والسعودية بقوة على خط الملف السوري في تسريع هذا التحول، خشية أن تفقد أبوظبي موقعها في معادلة النفوذ داخل سوريا.
عامل الاقتصاد وإعادة الإعمار
يركز التقرير على البعد الاقتصادي بوصفه أحد أهم محركات التحول في الموقف الإماراتي، حيث تُعد سوريا سوقاً واعدة لفرص استثمارية واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والموانئ والسياحة.
وترى أبوظبي أن إعادة إعمار سوريا قد تفتح ممرات تجارية جديدة تربط الخليج بالبحر المتوسط، ما يعزز موقعها في شبكات التجارة الإقليمية.
إسرائيل: أولوية الأمن قبل التنمية
في المقابل، تؤكد القراءة الإسرائيلية للملف السوري أن أي عملية إعادة بناء قد تعزز استقرار الدولة السورية، وهو ما تعتبره تل أبيب غير مرغوب فيه إذا لم يتوافق مع اعتبارات أمنها الحدودي.
لذلك، تعتمد إسرائيل على سياسة “الاحتواء الأمني” عبر استمرار الضغط العسكري في الجنوب السوري، لمنع دمشق من استعادة السيطرة الكاملة على تلك المناطق.
مسارات تجارية جديدة تتجاوز إسرائيل
يشير التقرير أيضاً إلى مناقشات بين أبوظبي ودمشق بشأن إنشاء ممر تجاري جديد يربط الخليج بسوريا عبر العراق، وهو مشروع من شأنه تقليل الاعتماد على الموانئ الإسرائيلية في أي مشاريع إقليمية مستقبلية.
ويُنظر إلى هذا التحرك باعتباره محاولة إماراتية لتنويع خياراتها الاستراتيجية في التجارة الإقليمية، وعدم ربطها حصراً بالمشاريع التي تمر عبر إسرائيل.
ملف السويداء والمواقف المتباينة
يتناول التحليل أيضاً ملف محافظة السويداء في جنوب سوريا، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية بشكل حساس.
وبحسب التقرير، فإن الإمارات رفضت الانخراط في أي مشاريع قد تؤدي إلى تقسيم فعلي داخل سوريا، في إشارة إلى مقاربات تتعامل مع بعض المكونات المحلية كأدوات ضغط سياسي.
في المقابل، تُتهم إسرائيل باستخدام بعض هذه الملفات لتعزيز نفوذها في الجنوب السوري وإبقاء المشهد هناك غير مستقر.
انتقادات للضربات الإسرائيلية
كما أشار التقرير إلى أن الإمارات أبدت في فترات سابقة تحفظاً على استمرار الضربات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، معتبرة أنها تعرقل جهود الاستقرار وإعادة البناء.
ويعكس ذلك تحولاً في الموقف الإماراتي نحو دعم استقرار الدولة السورية، حتى لو تعارض ذلك مع بعض التحركات العسكرية الإسرائيلية.
“تباين لا يعني القطيعة”
ورغم هذا التباين، يؤكد التحليل أن العلاقة بين الإمارات وإسرائيل لا تتجه نحو الانفصال، إذ لا تزال هناك ملفات مشتركة في مجالات الأمن والتكنولوجيا والاقتصاد.
لكن سوريا، بحسب التقرير، باتت من أكثر الملفات التي تكشف حدود هذا التنسيق، خاصة مع اختلاف الأولويات بين طرف يركز على الاستقرار والتنمية، وآخر يضع الأمن والردع العسكري في المقدمة.
تشير التطورات إلى أن سوريا لم تعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبحت نقطة اختبار للعلاقات بين القوى الإقليمية، بما فيها التحالفات الناشئة مثل العلاقة بين الإمارات وإسرائيل.
ومع استمرار هذا التباين في المقاربات، قد تتحول سوريا إلى أحد أبرز الملفات التي تعيد رسم حدود التفاهمات الإقليمية في الشرق الأوسط خلال المرحلة المقبلة.










