الأمم المتحدة تدق ناقوس الخطر مع احتشاد قوات الدعم السريع حول مدينة الأبيض، وسط مخاوف من تكرار سيناريو الفاشر الذي انتهى بعمليات قتل جماعي ونزوح واسع وانهيار إنساني.
بورتسودان- المنشر_الاخباري
تتسارع المخاوف من تحول مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، إلى بؤرة كارثة إنسانية جديدة في السودان، مع تصاعد التحذيرات الدولية من هجوم وشيك لقوات الدعم السريع على المدينة الاستراتيجية التي تمثل إحدى أهم عقد المواصلات والإمداد العسكري في البلاد.
وفي وقت تتزايد فيه التحشيدات العسكرية حول الأبيض، حذرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أن المدينة قد تواجه مصيراً مشابهاً لما حدث في مدينة الفاشر بإقليم دارفور، حيث شهدت عمليات قتل جماعي وانتهاكات واسعة النطاق وصفتها الأمم المتحدة بأنها تحمل “ملامح إبادة جماعية”.
وتكتسب مدينة الأبيض أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للجيش السوداني، إذ تربط بين ولايات غرب وجنوب السودان ووادي النيل، كما تضم مقر الفرقة الخامسة مشاة التابعة للقوات المسلحة السودانية، إضافة إلى غرفة عمليات مشتركة مع مصر تم إنشاؤها عقب سقوط الفاشر في قبضة قوات الدعم السريع في أكتوبر 2025.
نزوح جماعي وخوف من المجهول
وتقول مصادر محلية إن حالة من الذعر تسود المدينة مع بدء مئات العائلات الاستعداد لمغادرة الأبيض خشية اندلاع معارك واسعة.
وقال أحد العاملين في المجال الإغاثي داخل المدينة إن السكان “يتدافعون لشراء تذاكر السفر خوفاً من تكرار سيناريو الفاشر”، مشيراً إلى أن عشرات الحافلات تغادر المدينة يومياً وعلى متنها مئات المدنيين.
لكن الفرار ليس خياراً متاحاً للجميع، إذ يعيش في الأبيض نحو نصف مليون شخص، بينهم أكثر من 100 ألف نازح فروا سابقاً من دارفور ومناطق النزاع الأخرى، واستنزفت الحرب مدخراتهم وأفقدتهم القدرة على النزوح مرة أخرى.
وتؤكد مصادر محلية أن كثيراً من الأسر ترفض مغادرة منازلها وأعمالها، رغم التدهور السريع في الأوضاع الأمنية والإنسانية، فيما يكتفي آخرون بـ”التوكل على الله” في مواجهة سيناريو يبدو أكثر قتامة يوماً بعد آخر.
هجمات بالطائرات المسيّرة
وخلال الأسابيع الأخيرة، كثفت قوات الدعم السريع هجماتها بالطائرات المسيّرة على المدينة، مستهدفة منشآت حيوية مثل مستودعات الوقود ومحطات المياه والمولدات الكهربائية، ما تسبب في انقطاع التيار الكهربائي وتفاقم أزمة المياه والسلع الأساسية.
كما أفادت تقارير محلية بأن الطائرات المسيّرة تستهدف المركبات التي تحاول الدخول إلى المدينة أو مغادرتها من الجهة الشرقية، بعدما أصبحت الأبيض شبه محاصرة من الجنوب والغرب والشمال.
ويرى مراقبون أن استهداف البنية التحتية المدنية قد يرقى إلى جرائم حرب بموجب القانون الدولي الإنساني، خاصة في ظل اعتماد مئات الآلاف من المدنيين على تلك المنشآت للبقاء على قيد الحياة.
فوضى أمنية وانتهاكات متزايدة
ولا تقتصر معاناة السكان على تهديد قوات الدعم السريع، إذ تتحدث شهادات محلية عن تدهور الوضع الأمني داخل المدينة نفسها، مع تصاعد أعمال النهب والسرقة وانتشار السلاح.
كما يشكو ناشطون وصحفيون من مراقبة مشددة وتضييق على حركة المعلومات، ما يجعل من الصعب نقل صورة دقيقة لما يجري داخل المدينة.
وتقول مصادر محلية إن المدنيين باتوا يتجنبون الخروج ليلاً خوفاً من عمليات السلب والاعتداء، فيما تعيش المدينة حالة من القلق والترقب في انتظار ما ستسفر عنه الأيام المقبلة.
لماذا تشكل الأبيض هدفاً استراتيجياً؟
يسعى الدعم السريع، وفق تقديرات عسكرية، إلى السيطرة على الأبيض لتصبح قاعدة انطلاق جديدة نحو وسط السودان والعاصمة الخرطوم، التي فقد السيطرة عليها في مارس 2025.
إلا أن عامل الوقت يضغط على قوات الدعم السريع، إذ إن موسم الأمطار الذي يبدأ خلال يوليو الجاري قد يعيق حركة القوات والمركبات العسكرية، ما يمنح الجيش السوداني فرصة لتعزيز دفاعاته.
وفي المقابل، تؤكد الحكومة السودانية أن قواتها مستعدة للدفاع عن المدينة ومنع سقوطها، فيما يرى مراقبون أن قدرة الجيش على الصمود ستحدد إلى حد كبير مسار الحرب في غرب السودان خلال الأشهر المقبلة.
تحذيرات دولية.. ولكن بلا إجراءات
وفي السادس من يوليو الجاري، تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراراً يدين تصاعد العنف في الأبيض ويطالب بإجراء تحقيق عاجل في الانتهاكات.
كما أصدرت الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية تحذيرات من هجوم محتمل على المدينة، ودعت قوات الدعم السريع إلى عدم تصعيد عملياتها العسكرية.
غير أن هذه التحذيرات تواجه انتقادات واسعة، إذ يرى ناشطون سودانيون أن المجتمع الدولي اكتفى بإطلاق البيانات دون اتخاذ خطوات عملية لوقف الحرب أو محاسبة الجهات الداعمة للأطراف المتقاتلة.
وتشير تقارير إلى أن بعض الدول الغربية التي تحذر من كارثة إنسانية في السودان ترتبط بعلاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع دول متهمة بدعم قوات الدعم السريع، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن جدية الجهود الدولية لمنع وقوع مجازر جديدة.
هل تتكرر مأساة الفاشر؟
بالنسبة لكثير من سكان الأبيض، لا تبدو المقارنة مع الفاشر مجرد تحذير نظري، بل سيناريو حقيقي يقترب يوماً بعد آخر.
فالفاشر شهدت قبل سقوطها تحذيرات دولية مشابهة، لكن تلك التحذيرات لم تمنع وقوع واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في السودان منذ اندلاع الحرب.
واليوم، ومع احتشاد القوات حول الأبيض وتصاعد الضربات الجوية وتزايد موجات النزوح، يخشى السودانيون أن تتحول المدينة إلى فصل جديد من المأساة المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات، في حرب دفعت البلاد إلى حافة الانهيار ووضعت ملايين المدنيين بين نيران المعارك وصمت المجتمع الدولي.










