تفشي الفيروس يوقع مئات الضحايا ويكشف أزمة ثقة عميقة بين المجتمعات المحلية والجهات الطبية وسط انتشار نظريات مؤامرة وصراعات مسلحة تعقد جهود احتواء المرض.
لم تعد مواجهة فيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية معركة طبية فقط، بل تحولت إلى أزمة ثقة ومواجهة اجتماعية، بعدما شهدت مناطق متضررة هجمات على مراكز علاجية واعتداءات على العاملين في المجال الصحي، وسط انتشار واسع للشائعات والمعلومات المضللة.
وتعرض مركز لعلاج الإيبولا في منطقة بافوابانغو بإقليم إيتوري للحرق، فيما قُتل شرطي خلال مواجهات اندلعت بسبب محاولة بعض السكان استعادة جثة أحد ضحايا الفيروس، في أحدث حلقة من سلسلة حوادث المقاومة المجتمعية للإجراءات الصحية الخاصة باحتواء المرض.
وبحسب تقارير صحفية، تسبب تفشي الإيبولا الذي تم الإعلان عنه لأول مرة في مايو الماضي في وفاة ما لا يقل عن 600 شخص، مع تسجيل نحو 1759 حالة إصابة مؤكدة، وسط مخاوف من اتساع رقعة انتشار الفيروس في مناطق تعاني أصلًا من الفقر والصراعات المسلحة.
شائعات تغذي الغضب ضد الفرق الطبية
ارتبطت الهجمات الأخيرة بموجة من الشائعات التي انتشرت بين السكان المحليين، تضمنت مزاعم بأن فيروس إيبولا مجرد خدعة، أو أن العاملين الصحيين يتسببون في قتل المرضى بهدف سرقة أعضائهم أو السيطرة على مناطق معينة.
وأدت هذه الشائعات إلى اقتحام مراكز الحجر الصحي ومحاولات إخراج المرضى المصابين بالقوة، إضافة إلى محاولات استعادة جثث المتوفين من فرق الصحة والجهات المسؤولة عن عمليات الدفن.
وتكمن خطورة هذه الممارسات في أن جثث ضحايا الإيبولا تكون شديدة العدوى، إذ ينتقل الفيروس عبر سوائل الجسم، ما يجعل أي اتصال مباشر بالجثمان خطرًا كبيرًا قد يؤدي إلى انتشار المرض بين أفراد الأسرة والمجتمع.
ولهذا تفرض السلطات الصحية إجراءات دفن خاصة تتضمن تغليف الجثامين بالكامل ومنع لمسها، وهي إجراءات تصطدم أحيانًا بالعادات المحلية التي ترى أن وداع الموتى وغسلهم جزء أساسي من الطقوس الاجتماعية.
تاريخ طويل من انعدام الثقة
ويرى خبراء الصحة أن رفض بعض المجتمعات للعاملين الطبيين لا يعود فقط إلى انتشار الخرافات، بل يرتبط أيضًا بعقود من الإهمال وضعف الخدمات الصحية والصراعات السياسية.
وقال الدكتور غيغينجي غيتاهي، الرئيس التنفيذي لمجموعة “أمريف هيلث أفريكا”، إن عدم الثقة في النظام الصحي له جذور تاريخية، موضحًا أن السكان قد يتساءلون عن سبب وصول الدعم الطبي المكثف فجأة عند ظهور الإيبولا، بينما ظلت أمراض يومية مثل الملاريا وسوء التغذية ومضاعفات الولادة دون استجابة كافية.
وأضاف أن المجتمعات التي عانت طويلًا من ضعف الخدمات الحكومية تصبح أكثر شكًا تجاه أي تدخل خارجي، خاصة عندما يأتي من جهات أجنبية أو مؤسسات لا تربطها علاقة طويلة بالسكان.
كما أشار خبراء إلى أن التدخلات الخارجية والتنافس على الموارد الطبيعية، مثل الذهب والكولتان، ساهمت في زيادة حالة الشك تجاه المنظمات الدولية والحكومة المركزية.
الجماعات المسلحة تعقد جهود مكافحة الوباء
وتزداد صعوبة احتواء الإيبولا بسبب استمرار الصراع المسلح في شرق الكونغو الديمقراطية، حيث توجد مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة.
وتواجه الفرق الطبية تحديات كبيرة في المناطق التي تسيطر عليها جماعة “إم 23” المسلحة المدعومة من رواندا، وكذلك المناطق التي تنشط فيها جماعة “القوات الديمقراطية المتحالفة” المرتبطة بتنظيم داعش.
وتشير تقارير إلى أن تفشي المرض أصبح ملفًا سياسيًا في بعض المناطق، خاصة في إقليم كيفو الجنوبي، حيث يخشى العاملون الصحيون الحديث علنًا عن الوضع بسبب المخاطر الأمنية.
وقال أحد العاملين في المجال الطبي إن مشاركة المعلومات المتعلقة بالوباء أصبحت مقيدة في بعض المناطق، رغم أن هذه التقارير عادة ما تكون متاحة للجهات الصحية المختلفة بهدف تنسيق جهود الاستجابة.
اتهامات باستغلال الأزمة
وتواجه جماعة “إم 23” اتهامات بمحاولة الاستفادة ماليًا من أزمة الإيبولا، حيث نقلت تقارير عن عاملين صحيين أن الجماعة كانت تتواصل بشكل متكرر مع السلطات الصحية للاستفسار عن الأموال المخصصة لمواجهة الوباء.
واتهم أحد العاملين الجماعة بمحاولة تحويل جزء من التمويلات المخصصة للاستجابة الصحية لصالحها، ما يزيد من تعقيد مهمة المنظمات الإنسانية التي تحاول الوصول إلى المناطق المتضررة.
معركة الإيبولا تتجاوز الطب
ويؤكد خبراء أن السيطرة على الوباء لا تعتمد فقط على توفير اللقاحات والعلاج، بل تحتاج إلى بناء ثقة حقيقية مع المجتمعات المحلية، والتعامل مع أسباب الخوف والشك التي تدفع السكان إلى مقاومة الإجراءات الصحية.
ففي ظل انتشار الشائعات وغياب الثقة واستمرار النزاعات المسلحة، أصبحت مواجهة إيبولا في الكونغو الديمقراطية اختبارًا لقدرة المؤسسات الصحية والإنسانية على العمل في بيئة معقدة تتداخل فيها المخاوف الشعبية مع الصراعات السياسية والأمنية.










