كاتب إسرائيلي يحذر من تحول عنف المستوطنين في الضفة الغربية من أحداث فردية إلى مشروع سياسي يهدد سيادة القانون ومستقبل الدولة الإسرائيلية
تل أبيب- المنشر_الاخباري
حذر الكاتب الإسرائيلي غيرشون باسكين من تصاعد ما وصفه بـ”الحرب الداخلية” داخل إسرائيل، معتبرًا أن عنف المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية لم يعد مجرد حوادث فردية، بل أصبح جزءًا من صراع أوسع حول هوية الدولة ومستقبل نظامها السياسي.
وقال باسكين، في مقال رأي نشرته صحيفة “جيروزاليم بوست”، إن الفلسطينيين في الضفة الغربية هم الضحايا المباشرون لما وصفه باعتداءات تستهدف منازلهم وأراضيهم ومزارعهم وحياتهم اليومية، لكنه أشار إلى أن الخطر الأكبر، بحسب رؤيته، يمتد إلى الداخل الإسرائيلي عبر ما يعتبره تهديدًا لمبادئ الديمقراطية وسيادة القانون.
وأضاف أن الهجمات التي ينفذها بعض المستوطنين تشمل الاعتداء على القرى الفلسطينية، وإحراق الممتلكات، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والضغط على التجمعات البدوية والرعوية، معتبرًا أن هذه الممارسات خلقت حالة من الخوف المستمر لدى الفلسطينيين في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
ويرى الكاتب أن القضية لا تتعلق فقط بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما بما وصفه بـ”المواجهة بين رؤيتين لإسرائيل”، الأولى دولة يهودية ديمقراطية تقوم على المساواة والقانون، والثانية مشروع قومي ديني متشدد يسعى، وفق تعبيره، إلى منح الأولوية لفكرة السيطرة على الأرض حتى على حساب المبادئ الديمقراطية.
ووجه باسكين انتقادات حادة إلى التيار اليميني المتطرف في إسرائيل، معتبرًا أن بعض الجماعات المرتبطة بالمستوطنين لا تسعى فقط إلى توسيع المستوطنات، وإنما تعمل على تغيير طبيعة الدولة نفسها من خلال التأثير على مؤسسات حكومية وأمنية.
وأشار إلى أن بعض قادة اليمين الإسرائيلي، ومن بينهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، يمثلون مشروعًا سياسيًا يرى أن تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية يجب أن يكون أولوية، في حين يعتبر معارضو هذا التوجه أنه يؤدي إلى تقويض فرص التسوية السياسية وزيادة التوتر الداخلي والخارجي.
وأكد الكاتب أن عنف المستوطنين لا ينبغي التعامل معه باعتباره تصرفات معزولة من أفراد متطرفين، بل باعتباره ظاهرة سياسية لها امتدادات داخل مؤسسات الدولة، محذرًا من أن عدم محاسبة المسؤولين عن هذه الاعتداءات قد يؤدي إلى تآكل الثقة في القانون والمؤسسات الرسمية.
وقال إن المشكلة، وفق رؤيته، تظهر عندما يشعر الفلسطينيون بأن القانون لا يُطبق عليهم وعلى المستوطنين بالطريقة نفسها، أو عندما تتدخل مؤسسات الدولة لحماية المستوطنين أثناء وقوع مواجهات بدلًا من منع الاعتداءات، وهو ما يراه عاملًا يؤدي إلى إضعاف صورة إسرائيل كدولة ديمقراطية.
كما انتقد صمت قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي تجاه ما يحدث في الضفة الغربية، معتبرًا أن رغبة الكثيرين في تجنب الصراعات الداخلية والتركيز على حياتهم اليومية تسمح، بحسب رأيه، لأقلية منظمة ومؤثرة بتغيير الواقع على الأرض تدريجيًا.
وأوضح أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى خسارة إسرائيل لما وصفه بـ”المكانة الأخلاقية” و”الثقة الدولية”، إضافة إلى الإضرار بإمكانية الوصول إلى أي اتفاق مستقبلي مع الفلسطينيين.
في المقابل، يرى مؤيدو الاستيطان أن وجود المستوطنات في الضفة الغربية يمثل حقًا تاريخيًا وأمنيًا لإسرائيل، وأن الإجراءات التي تتخذها السلطات تهدف إلى حماية المواطنين الإسرائيليين من الهجمات الفلسطينية، وليس إلى استهداف الفلسطينيين بشكل جماعي.
ويؤكد هؤلاء أن الجماعات المتطرفة لا تمثل غالبية المستوطنين، وأن تحميل التيار الاستيطاني بأكمله مسؤولية أعمال عنف فردية يعد تعميمًا غير عادل.
لكن منتقدي سياسات الاستيطان يقولون إن القضية لا تتعلق فقط بعدد منفذي الاعتداءات، بل بالبيئة السياسية التي تسمح بانتشار خطاب متشدد وتوفر غطاءً لبعض الممارسات على الأرض.
وتأتي هذه المناقشات في وقت تواجه فيه إسرائيل ضغوطًا دولية متزايدة بسبب الوضع في الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي ظل تصاعد الجدل الداخلي حول العلاقة بين الهوية الدينية والقومية للدولة وبين مبادئ الديمقراطية والمساواة.
ويختتم باسكين مقاله بالقول إن المعركة الحالية ليست فقط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل أيضًا داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بين من يريد دولة ديمقراطية تعددية، ومن يدفع باتجاه نموذج ديني قومي أكثر تشددًا.
وبينما تستمر الخلافات حول مستقبل الضفة الغربية والمستوطنات، يبقى السؤال الأساسي، وفق منتقدي سياسات اليمين المتطرف: هل تستطيع إسرائيل الحفاظ على صورتها كدولة ديمقراطية في ظل استمرار التوتر بين الأمن والسيطرة على الأرض والقيم الديمقراطية؟










