تقارب أمريكي مع معسكر حفتر يفتح باب التساؤلات حول مستقبل حميدتي.. هل يصبح النفوذ والسيطرة على الأرض طريقًا للاعتراف الدولي؟
واشنطن
أثار التحرك الأمريكي المتسارع تجاه ليبيا تساؤلات واسعة حول تداعياته على الحرب الدائرة في السودان، بعدما باتت واشنطن تتعامل مع معسكر خليفة حفتر باعتباره طرفًا يمكن التفاوض معه ضمن ترتيبات سياسية جديدة، وهو ما قد يبعث برسائل مقلقة إلى قادة جماعات مسلحة أخرى، وعلى رأسهم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو المعروف بـ”حميدتي”.
ففي نهاية يونيو، استقبلت العاصمة الأمريكية واشنطن صدام حفتر، نائب قائد قوات الشرق الليبية، في لقاء جمعه بوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ضمن تحركات تقودها إدارة الرئيس دونالد ترامب لإعادة ترتيب المشهد السياسي والعسكري في ليبيا.
ورغم أن اللقاء خرج ببيان دبلوماسي حذر تحدث عن “جهود ليبية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية”، فإن التحركات الأمريكية تشير إلى مسار أوسع يتعلق بإعادة صياغة معادلة السلطة في ليبيا، عبر تفاهمات قد تمنح عائلة حفتر دورًا محوريًا في المرحلة المقبلة.
هذا المشهد لم يمر دون أن يلفت انتباه حميدتي، الذي يخوض منذ أبريل 2023 حربًا مفتوحة ضد الجيش السوداني للسيطرة على البلاد. فالقاسم المشترك بين الرجلين واضح: كلاهما بنى نفوذه بعيدًا عن المؤسسات المنتخبة، مستندًا إلى السيطرة العسكرية، والموارد الطبيعية، والدعم الخارجي.
لكن أوجه التشابه لا تخفي اختلافات جوهرية بين التجربتين.
من حفتر إلى حميدتي.. نموذج “فرض الأمر الواقع”
خلال أكثر من عقد، تمكن خليفة حفتر من بناء نفوذ واسع في شرق ليبيا، مستفيدًا من السيطرة على مناطق استراتيجية وموارد نفطية، وإنشاء مؤسسات موازية للدولة، من جيش وهيئات أمنية وإدارية.
وبمرور الوقت أصبح حفتر طرفًا لا يمكن تجاوزه في أي تسوية سياسية تخص ليبيا، رغم استمرار الجدل حول دوره ومسؤوليته عن مراحل من الصراع الداخلي.
أما حميدتي، فقد حاول اتباع مسار مشابه في السودان، إذ عملت قوات الدعم السريع على إنشاء هياكل سياسية واقتصادية موازية، وتوسيع نفوذها في مناطق واسعة، مع الاعتماد على السيطرة على موارد الذهب وشبكات تجارية وعلاقات إقليمية.
لكن الفارق الأساسي أن حميدتي لا يزال في قلب حرب مدمرة، وسط اتهامات دولية واسعة لقواته بارتكاب انتهاكات خطيرة في إقليم دارفور، بينها اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
وهذا يجعل من الصعب على واشنطن التعامل معه بالطريقة نفسها التي تعاملت بها مع حفتر، خصوصًا في ظل الضغوط الحقوقية والسياسية داخل الولايات المتحدة.
السودان.. حرب مفتوحة بدل التسويات السياسية
على عكس ليبيا التي دخلت منذ سنوات مرحلة من الجمود النسبي، لا تزال الحرب في السودان تتصاعد، مع استمرار المعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع، وتغير موازين السيطرة الميدانية.
ويشير مراقبون إلى أن الجيش السوداني تمكن خلال الفترة الأخيرة من تحقيق تقدم في عدد من الجبهات بدعم مصري وتركي، بينما تواجه قوات الدعم السريع تحديات داخلية متزايدة، من بينها الانشقاقات السياسية والعسكرية.
ومن أبرز الضربات التي تعرض لها مشروع الدعم السريع السياسي انسحاب فارس النور، أحد أبرز الوجوه المدنية المرتبطة بالمشروع السياسي للقوات، بعدما أعلن أن المسار تحول من محاولة إدارة مؤقتة للمناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع إلى تهديد لوحدة السودان وسيادته.
وتأتي هذه التطورات في وقت تحاول فيه واشنطن، عبر مبعوثيها ومسؤوليها، الدفع نحو وقف إطلاق النار وإيجاد مسار تفاوضي، لكن الحكومة السودانية تتمسك بمطلب انسحاب قوات الدعم السريع ونزع سلاحها قبل أي اتفاق، بينما ترى أطراف دولية أن تنفيذ ذلك فورًا أمر صعب بسبب اتساع نفوذ الدعم السريع على الأرض.
هل تمنح ليبيا حميدتي أملًا جديدًا؟
يرى محللون أن التقارب الأمريكي مع معسكر حفتر قد يشجع حميدتي على الاستمرار في مشروع بناء مؤسسات موازية، باعتباره يرى أن السيطرة على الأرض قد تتحول مع الوقت إلى ورقة تفاوضية تفرض الاعتراف الدولي.
وقد حاولت قوات الدعم السريع بالفعل بناء هياكل تشبه مؤسسات الدولة، من خلال تشكيل مجالس أمنية وسياسية، وإنشاء ترتيبات مالية وإدارية خاصة بها.
لكن هذا المسار يواجه عقبات كبيرة، أبرزها العقوبات الأمريكية المفروضة على شخصيات مرتبطة بالدعم السريع، والاتهامات المتعلقة بتمويل الحرب والانتهاكات في دارفور.
كما أن العلاقة بين معسكر حفتر وقوات الدعم السريع تثير جدلًا واسعًا، إذ تتهم جهات سودانية ودولية أطرافًا مرتبطة بشرق ليبيا بالمساهمة في دعم عمليات الدعم السريع عبر مسارات لوجستية وإمدادات، وهي اتهامات ينفيها معسكر حفتر.
تحذير من “شرعنة أمراء الحرب”
ويرى منتقدون للسياسة الأمريكية أن أي اتفاق يمنح عائلة حفتر دورًا مركزيًا في ليبيا قد يرسل رسالة خطيرة إلى الجماعات المسلحة في أفريقيا والشرق الأوسط، مفادها أن السيطرة على الأرض وامتلاك الموارد يمكن أن يكونا طريقًا للحصول على شرعية سياسية.
ويحذر هؤلاء من أن سياسة الواقعية السياسية قد تؤدي إلى تكريس نموذج “أمراء الحرب”، حيث تتحول الميليشيات إلى أطراف رسمية عبر صفقات دولية بدل المرور عبر المؤسسات الديمقراطية.
وبالنسبة للسودان، فإن السؤال الأكبر يبقى: هل ستتعامل واشنطن مع ملف ليبيا بمعزل عن تداعياته على الحرب السودانية، أم ستربط أي ترتيبات جديدة في ليبيا بوقف أي دعم أو إمدادات قد تطيل أمد الصراع في السودان؟
فبينما تبحث الولايات المتحدة عن تسويات سريعة في مناطق الأزمات، يخشى مراقبون من أن تؤدي هذه المقاربة إلى نتائج عكسية، عبر تشجيع القوى المسلحة على استخدام القوة كوسيلة للوصول إلى طاولة المفاوضات.










