لندن – المنشر الإخباري
في خطوة أثارت تساؤلات حول مستقبل الوجود العسكري الأميركي في القارة الأفريقية، سحبت الولايات المتحدة الجزء الأكبر من قواتها المنتشرة في شمال شرق نيجيريا ضمن عملية مشتركة لمكافحة الإرهاب، لكنها أكدت في الوقت ذاته أن الانسحاب لا يعني تراجع النفوذ الأميركي، بل يمثل تحولًا في طريقة إدارة واشنطن لحربها ضد الجماعات المتطرفة.
وأعلنت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا “أفريكوم” أن القوات التي تم نشرها في نيجيريا خلال الفترة الماضية أنهت مهمتها الأساسية، فيما ستستمر واشنطن في تقديم الدعم الاستخباراتي والتدريب والمساندة اللوجستية للقوات النيجيرية، في نموذج قالت إنه يمكن تكراره في دول أفريقية أخرى تواجه تهديدات الجماعات المسلحة.
ويأتي القرار في وقت تشهد فيه القارة تصاعدًا في نشاط التنظيمات الإرهابية، خاصة في منطقة الساحل وغرب أفريقيا، حيث تحولت مناطق واسعة إلى ساحات صراع بين الحكومات والجماعات المرتبطة بتنظيمي “داعش” و”القاعدة”، وسط تراجع نسبي للوجود العسكري الغربي وصعود نفوذ قوى منافسة مثل روسيا والصين.
عملية نيجيريا.. ضربة محدودة ورسالة أوسع
بدأ التحرك الأميركي في نيجيريا بعد فترة من التوتر بين واشنطن وأبوجا، عقب انتقادات وجهها الرئيس الأميركي دونالد ترامب للحكومة النيجيرية بشأن تعاملها مع أعمال العنف ضد المسيحيين، ولوّح حينها بإمكانية تدخل عسكري إذا لم تتخذ السلطات إجراءات أكثر صرامة.
لكن المهمة تطورت سريعًا من مجرد دعم عسكري إلى عملية أمنية واسعة، شاركت فيها القوات الأميركية إلى جانب الجيش النيجيري، واستهدفت مواقع تابعة لتنظيم “داعش في غرب أفريقيا” المعروف باسم “داعش-ولاية غرب أفريقيا” (ISWAP)، أحد أكثر فروع التنظيم نشاطًا حول العالم.
وأسفرت العملية، بحسب تصريحات أميركية، عن مقتل قيادي بارز في التنظيم، إضافة إلى تحييد عشرات المسلحين وتدمير مخازن أسلحة ومراكز قيادة وشبكات دعم وتمويل تابعة للجماعة.
ورغم هذه النتائج، يرى خبراء أن العملية لا تعني القضاء على خطر الإرهاب في نيجيريا، إذ إن التنظيمات المسلحة في المنطقة تعتمد على شبكات محلية معقدة، تستفيد من الفقر وضعف التنمية وانتشار المناطق الخارجة عن السيطرة الحكومية.
استراتيجية أميركية جديدة.. قوات أقل ونفوذ أكبر
يرى محللون أن قرار واشنطن يعكس تحولًا في عقيدتها العسكرية بأفريقيا، من الانتشار العسكري المباشر إلى نموذج يعتمد على بناء قدرات الشركاء المحليين، مع الاحتفاظ بقدرات التدخل السريع عند الضرورة.
وقال خبراء إن الولايات المتحدة باتت تفضل تجنب نشر أعداد كبيرة من الجنود لفترات طويلة، كما حدث في العراق وأفغانستان، والتركيز بدلًا من ذلك على جمع المعلومات الاستخباراتية، والطائرات المسيرة، والضربات الدقيقة، وتدريب القوات المحلية.
ويعكس هذا النهج محاولة لتحقيق توازن بين الحفاظ على النفوذ الأميركي وتقليل التكلفة البشرية والسياسية للتدخلات الخارجية.
وتشير تقديرات أمنية إلى أن واشنطن ترى في أفريقيا ساحة منافسة استراتيجية لا تقتصر على مكافحة الإرهاب فقط، بل تشمل أيضًا مواجهة النفوذ الروسي والصيني المتزايد في القارة.
فبينما عززت موسكو حضورها عبر مجموعات أمنية وشراكات عسكرية في عدد من الدول الأفريقية، وسعت بكين إلى توسيع نفوذها الاقتصادي من خلال مشاريع البنية التحتية والاستثمارات، تحاول واشنطن تقديم نفسها كشريك أمني يعتمد على التدريب والتكنولوجيا والدعم الاستخباراتي.
هل يتحول نموذج نيجيريا إلى سياسة أميركية جديدة؟
اعتبر مسؤولون أميركيون أن تجربة نيجيريا قد تصبح نموذجًا للتعامل مع التهديدات الأمنية في أفريقيا، بحيث تتولى الجيوش المحلية قيادة العمليات، بينما تقدم الولايات المتحدة الدعم النوعي.
ويرى الباحثون أن هذا النموذج يسمح لواشنطن بالحفاظ على حضورها دون تحمل أعباء الانتشار العسكري المباشر.
لكن منتقدين يحذرون من أن الاعتماد على الحلول العسكرية وحدها قد لا يكون كافيًا لإنهاء التهديدات الإرهابية، لأن جذور الأزمة ترتبط بعوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية عميقة.
وقالت محللة في شؤون الأمن الأفريقي إن الضربات الجوية والعمليات الخاصة قد تؤدي إلى إضعاف الجماعات المسلحة مؤقتًا، لكنها لن تمنع إعادة تشكيلها ما لم تتم معالجة أسباب انتشارها، مثل البطالة، وضعف المؤسسات الحكومية، والصراعات المحلية.
أفريقيا بين واشنطن وموسكو وبكين
يأتي التحرك الأميركي في وقت تشهد فيه القارة الأفريقية منافسة دولية متزايدة على النفوذ.
ففي منطقة الساحل، انسحبت قوات فرنسية من عدة دول خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع توسع التعاون العسكري لبعض الحكومات مع روسيا.
أما الصين، فركزت على توسيع حضورها الاقتصادي عبر القروض والمشاريع الكبرى، ما منحها نفوذًا سياسيًا متزايدًا في العديد من الدول.
وتسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على موقعها عبر مزيج من التعاون الأمني والاستثمارات والدبلوماسية، لكنها تواجه تحديات مرتبطة بصورة واشنطن لدى بعض الشعوب الأفريقية، خاصة بسبب تاريخ التدخلات الغربية السابقة.
ويرى مراقبون أن نجاح الاستراتيجية الأميركية الجديدة سيتوقف على قدرة واشنطن على تقديم شراكات طويلة الأمد تتجاوز الجانب العسكري، وتشمل التنمية ودعم المؤسسات المحلية.
حرب الإرهاب تدخل مرحلة جديدة
رغم إعلان الانسحاب الجزئي من نيجيريا، لا يبدو أن الولايات المتحدة تتجه إلى مغادرة أفريقيا، بل إلى إعادة صياغة وجودها بطريقة أكثر مرونة.
فالهدف الأميركي، وفق محللين، لم يعد السيطرة المباشرة على ساحات الصراع، وإنما بناء شبكة من الشركاء المحليين تسمح لواشنطن بالتدخل عند الحاجة مع تقليل الخسائر والتكاليف.
لكن التحدي الأكبر يبقى قدرة هذه الاستراتيجية على تحقيق نتائج مستدامة، في ظل استمرار تمدد الجماعات المسلحة واتساع رقعة عدم الاستقرار في مناطق عدة من القارة.
وبينما ترى واشنطن أن نموذج نيجيريا يمثل “دليلًا على نجاح نهج جديد”، يخشى آخرون أن يكون مجرد تغيير في شكل الحرب، وليس نهاية لها، لتدخل بذلك المعركة الأميركية ضد الإرهاب في أفريقيا مرحلة مختلفة عنوانها: قوات أقل على الأرض، لكن نفوذًا ومحاولات تأثير أكبر.










